محافظاتأخر الأخبار

أزمة متفاقمة تهدد حق الدفن الكريم وتُشعل أسعار المقابر بالقرى

لم تعد الحاجة إلى مقبرة في بعض القرى المصرية مجرد مسألة ترتبط بالمستقبل أو الاستعداد لرحلة العمر الأخيرة، بل تحولت إلى أزمة معقدة تتداخل فيها القوانين والاعتبارات الاقتصادية ونقص الأراضي، لتضع آلاف الأسر أمام تحديات متزايدة في توفير أماكن دفن لأفرادها.

وتختصر الحاجة آمال، البالغة من العمر 78 عامًا، جانبًا كبيرًا من هذه المعاناة، بعدما أمضت سنوات طويلة تحاول بناء مقبرة على قطعة أرض اشترتها خصيصًا لهذا الغرض، إلا أن الإجراءات القانونية والعقبات الإدارية حالت دون تحقيق حلمها حتى الآن.

تقول السيدة التي تقيم بإحدى القرى التابعة لمحافظة الدقهلية إنها لا تشغل بالها تقلبات الأسواق أو أسعار العقارات، بقدر ما يشغلها مصير قطعة أرض مساحتها 50 مترًا مربعًا اشترتها منذ سنوات لتكون مثواها الأخير ومثوى أفراد أسرتها من الأبناء والأحفاد.

مقابر الأرياف بين احتياجات المواطنين وتعقيدات القوانين

تواجه العديد من القرى المصرية، خصوصًا تلك التي تفتقر إلى ظهير صحراوي، إشكالية متزايدة تتعلق بإنشاء المقابر الجديدة، في ظل تداخل عدد من التشريعات المنظمة للبناء واستغلال الأراضي.

فبينما يستند مسؤولو الزراعة إلى القوانين التي تحظر إقامة منشآت على الأراضي الزراعية أو الواقعة داخل الرقعة الزراعية، يرى مواطنون وخبراء أن المقابر تخضع في الأصل لتشريعات خاصة تختلف عن قوانين البناء التقليدية.

وينظم القانون رقم 5 لسنة 1966 ولائحته التنفيذية الصادرة عام 1970 إجراءات إنشاء الجبانات والمقابر، بينما تختص الوحدات المحلية بإصدار التراخيص المرتبطة بها.

إلا أن تشديد الرقابة على البناء منذ عام 2014 أدى إلى تضييق فرص إنشاء مقابر جديدة داخل العديد من القرى، ما تسبب في ارتفاع أسعار الأراضي المخصصة للدفن وخلق أزمة حقيقية تواجه الأسر الراغبة في تأمين أماكن دفن خاصة بها.

مقابر الأرياف تتحول إلى عبء اقتصادي متزايد

مع محدودية الأراضي المتاحة وارتفاع الطلب، شهدت أسعار المقابر قفزات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، لتصبح تكلفة إنشاء مقبرة جديدة عبئًا ماليًا يفوق قدرة الكثير من الأسر.

ويؤكد عدد من المواطنين أن تكلفة شراء أرض للمقبرة وإنشاء عدد محدود من المدافن عليها قد تصل إلى مئات الآلاف من الجنيهات، فيما ارتفعت أسعار العيون الجاهزة داخل المقابر القائمة إلى مستويات غير مسبوقة.

ويشير بعض الأهالي إلى أن شراء عين واحدة داخل مقبرة قائمة أصبح يتطلب مبالغ مالية كبيرة، في ظل ندرة الأراضي المتاحة للبناء وغياب البدائل المناسبة.

ويرجع متخصصون هذا الارتفاع إلى اختلال واضح بين العرض والطلب، حيث تتزايد الاحتياجات السكانية عامًا بعد آخر، بينما تبقى المساحات المخصصة للمقابر محدودة للغاية، خاصة في القرى المكتظة بالسكان.

كما يحذر خبراء اقتصاديون من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى تضخم أكبر في أسعار المقابر وظهور سوق غير رسمية لتداول أماكن الدفن، بما يضاعف الضغوط المالية على الأسر متوسطة ومحدودة الدخل.

مقابر الأرياف تكشف فجوة تشريعية تحتاج إلى حلول عاجلة

ويرى قانونيون أن الأزمة الحالية ترتبط بشكل مباشر بعدم وجود إطار تشريعي متكامل يعالج ملف المقابر الريفية بصورة واضحة وحاسمة.

ففي الوقت الذي تؤكد فيه بعض الجهات أن إنشاء المقابر على الأراضي الزراعية يمثل مخالفة صريحة للقانون، صدرت أحكام قضائية أشارت إلى أن الجبانات تخضع لقانون خاص ولا تسري عليها بعض أحكام قوانين البناء العامة.

هذا التباين في التفسيرات القانونية أدى إلى اختلاف تطبيق القواعد من منطقة لأخرى، حيث تشهد بعض القرى قدرًا من المرونة في إنشاء المقابر، بينما تواجه قرى أخرى إجراءات أكثر صرامة.

كما أدى غياب رؤية موحدة إلى خلق حالة من عدم اليقين لدى المواطنين الذين يخشون التعرض للمساءلة القانونية أو تحرير محاضر مخالفة أثناء محاولتهم إنشاء مقابر لعائلاتهم.

ويؤكد مختصون أن معالجة الأزمة تتطلب مراجعة شاملة للتشريعات الحالية بما يضمن حماية الأراضي الزراعية من جهة، وتوفير حلول واقعية لمشكلة الدفن من جهة أخرى.

مقابر الأرياف تحتاج إلى تخطيط مستقبلي يواكب احتياجات السكان

يرى خبراء التنمية العمرانية أن ملف المقابر يجب أن يكون جزءًا من خطط التنمية المحلية طويلة المدى، تمامًا كما يتم تخصيص أراضٍ للمدارس والمستشفيات ومحطات الصرف الصحي والخدمات العامة الأخرى.

ويؤكدون أن إدراج احتياجات القرى من المقابر ضمن مشروعات التطوير الريفي يمكن أن يخفف من الضغوط الحالية ويحد من التعديات على الأراضي الزراعية، فضلاً عن تقليل الأعباء الاقتصادية التي تواجهها الأسر.

وتزداد أهمية هذا الملف في ظل ارتفاع أعداد الوفيات سنويًا، وهو ما يفرض ضرورة توفير حلول مستدامة تستوعب الاحتياجات المستقبلية للمجتمعات الريفية.

وفي بعض المناطق، بدأت الأسر بالفعل في اللجوء إلى حلول بديلة مثل المقابر متعددة الطوابق لمواجهة نقص الأراضي وارتفاع الأسعار، إلا أن هذه الحلول تظل محدودة ولا تعالج جذور المشكلة.

أما الحاجة آمال، فما زالت تتمسك بأملها في بناء مقبرة تضم ست عيون، أربع منها لأفراد عائلتها واثنتان تخصصهما للصدقة، أملاً في أن يتحقق حلمها بتأمين مكان دفن كريم لها ولأسرتها.

وبينما تستمر المناقشات القانونية والاقتصادية حول مستقبل هذا الملف، تبقى معاناة آلاف الأسر في القرى المصرية شاهدة على أزمة تجاوزت حدود التخطيط العمراني، لتلامس واحدة من أكثر القضايا الإنسانية حساسية، وهي الحق في توفير مثوى أخير كريم وآمن لكل إنسان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى