سياسة وأحزابأهم الاخبار

عقيدة الاحتواء المعاكس.. رسالة قديروف الأكثر خطورة

بقلم الكاتب العراقي : محمد الماس | لم تعد خرائط الصراع الدولي تُقاس بحدود الجبهات التقليدية، ولا تقف عند خطوط النار التي تفصل بين ساحات المواجهة المباشرة، فالمشهد الراهن يتجه نحو مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها الجبهات وتتقاطع فيها الحسابات الروسية والأمريكية والتركية والإيرانية ضمن معادلة استراتيجية مفتوحة على احتمالات التصعيد.

وفي قلب هذه المعادلة، تبرز رسالة الرئيس الشيشاني رمضان قديروف باعتبارها واحدة من أكثر الإشارات السياسية والعسكرية دلالة على اتجاه موسكو نحو إعادة تعريف قواعد الاشتباك وتوسيع نطاق المواجهة. فالدعوة إلى نقل الضربة من الساحة الأوكرانية إلى عمق المجال الأوروبي لا تبدو مجرد رد فعل على تطورات ميدانية محددة، وإنما تحمل في مضمونها تصورًا يقوم على مواجهة سياسة الاحتواء بسياسة احتواء معاكسة، تقوم على تشتيت الخصوم وفتح جبهات ضغط موازية، ومنع انتقال ثقل المواجهة إلى ساحات ترتبط بصورة مباشرة بمصالح روسيا وحلفائها.

وفي هذا السياق، شهد المشهد الدولي والإقليمي تصعيدًا عسكريًا بالغ الخطورة في الساحتين الأوروبية والشرق أوسطية، وقد برز هذا التصعيد بصورة واضحة مع الدعوة التي وجهها الرئيس الشيشاني رمضان قديروف عبر منصة “تيليغرام” إلى القيادة الروسية من أجل توسيع نطاق العمليات العسكرية وشن هجمات مباشرة ضد دول حلف شمال الأطلسي الداعمة لأوكرانيا.

وجاء هذا الموقف التصعيدي عقب تمكن القوات الأوكرانية من إسقاط مقاتلة حربية روسية للمرة الأولى بواسطة مقاتلات F-16 الأمريكية الصنع، التي تسلمتها كييف مؤخرًا من حلفائها الأوروبيين. ويعكس هذا التطور تصاعد مستوى المواجهة العسكرية في الساحة الأوكرانية ودخول أسلحة غربية أكثر تطورًا إلى دائرة الاشتباك مع القوات الروسية.

غير أن التوقيت والأبعاد الجيوسياسية للتدخل الشيشاني تتجاوز حدود الأزمة الأوكرانية، لتتقاطع بصورة مباشرة مع الملف الإيراني الذي بات يمثل واحدًا من أكثر الملفات حساسية في معادلة الصراع الإقليمي. وكانت الشيشان قد حذرت قبل أشهر من تدخل عسكري مباشر ومؤازرة شاملة للجمهورية الإسلامية في حال تعرضها لأي غزو بري، وهو ما يفتح المجال أمام احتمالات انتقال المواجهة إلى الأراضي الإيرانية ضمن مسارات عسكرية قد تكون أكثر اتساعًا وخطورة.

وترتبط هذه الاحتمالات بما يُطرح حول مخططات التقسيم الغربية التي تسعى واشنطن إلى تنفيذها بالتعاون مع أذربيجان وبعض القوى الكردية في إيران والعراق، بهدف الضغط على طهران وإعادة تشكيل موازين القوى المحيطة بها. وفي حال انتقال هذه المخططات إلى مرحلة التنفيذ الميداني، فإن الساحة الإيرانية قد تتحول إلى واحدة من أكثر ساحات الصراع حساسية في المنطقة.

وأمام هذه التطورات، أعلنت تركيا معارضتها القاطعة لأي تحرك كردي يستهدف شمال إيران، مبدية استعدادها للتدخل العسكري المباشر لحماية طهران. ويكشف هذا الموقف عن تقاطع استراتيجي غير معتاد بين موسكو وأنقرة في مواجهة بعض المشاريع الأمريكية التي تستهدف إعادة ترتيب موازين القوى الإقليمية.

ويزداد هذا التقاطع أهمية في ظل التباينات بين واشنطن وحلفائها الإقليميين، حيث تبدو الإدارة الأمريكية غير راضية عن الموقف التركي المعارض لمشروع تقسيم شمال إيران. ويأتي ذلك في وقت قدمت فيه أنقرة تنازلات في ملف حزب الله اللبناني، بينما ظهر الموقف الأمريكي تجاه السعودية بصورة مغايرة عبر منح الرياض امتيازات تتعلق ببرنامجها النووي السلمي، في ظل مواجهتها المستمرة مع الحوثيين.

وفي هذا السياق، يمكن قراءة دعوة قديروف للكرملين بضرب دول حلف شمال الأطلسي ضمن مناورة استراتيجية تهدف إلى مشاغلة الدول الأوروبية وإشغالها بحرب قارية تمنعها من التدخل في معارك حيوية ضمن مضيق هرمز وباب المندب. ففتح جبهة ضغط واسعة في القارة الأوروبية يمكن أن يؤدي إلى تشتيت القدرات السياسية والعسكرية للدول الداعمة لأوكرانيا، ودفعها نحو التعامل مع تهديد مباشر داخل محيطها الجغرافي.

وتدرك موسكو أن خسارة هذه المضائق الحيوية وإضعاف حلفائها في طهران وصنعاء يمثلان ضربة قاصمة لاقتصادها ونفوذها الجيوسياسي المتنامي في الشرق الأوسط. فمضيق هرمز وباب المندب يمثلان موقعين محوريين في معادلة النفوذ الإقليمي، كما أن تراجع الحضور الروسي في هذه المساحات يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على قدرتها على الحفاظ على مصالحها وشبكة حلفائها.

وفي المقابل، تواجه موسكو مساعي أمريكية لتقويض نفوذها في القوقاز، مستغلة تحالفاتها الجديدة في العراق وعلاقاتها مع سوريا بهدف نزع سلاح حزب الله وإبعاد روسيا بصورة نهائية عن معادلة النفوذ الإقليمي، وهو ما يضع القيادة الروسية أمام تحدٍ استراتيجي بالغ الحساسية لا يتعلق بجبهة واحدة، وإنما بمساحة واسعة تمتد من أوروبا إلى القوقاز ثم الشرق الأوسط، ومن هنا تكتسب رسالة قديروف دلالتها الأوسع.

فالدعوة إلى ضرب دول حلف الأطلسي يمكن قراءتها ضمن توجه يقوم على نقل الضغط إلى الخصم بدلًا من الاكتفاء بامتصاص الضغوط المفروضة على روسيا. وهي رؤية تقوم على فتح مسارات اشتباك متوازية وإشغال الخصوم بجبهات متعددة، بما يمنعهم من تركيز قدراتهم في ساحات تمثل أهمية مباشرة لموسكو وحلفائها.

وبهذا المعنى، تبرز ملامح ما يمكن تسميته بـ”عقيدة الاحتواء المعاكس”، حيث تتحول سياسة تطويق روسيا إلى فرصة لإعادة توزيع الضغط على خصومها ودفعهم إلى مواجهة مخاطر متزامنة في أكثر من ساحة. فالمعادلة لم تعد محصورة في أوكرانيا، وإنما باتت تمتد إلى إيران والقوقاز والخليج وباب المندب ضمن شبكة مترابطة من المصالح والتحالفات والصراعات.

وتقف القيادة الروسية أمام تحدٍ وجودي يحتم عليها اتخاذ خطوات حاسمة وفق الرؤية التي طرحها قديروف. فخسارة الحلفاء في طهران وصنعاء، أو تراجع النفوذ الروسي في القوقاز والشرق الأوسط، يمكن أن يمنح واشنطن مساحة أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية. ولذلك تبدو معركة موسكو في هذه المرحلة مرتبطة بصورة مباشرة بقدرتها على الحفاظ على شبكة نفوذها، ومنع خصومها من تحويل تعدد الجبهات إلى وسيلة لعزلها استراتيجيًا.

وفي المحصلة، فإن المشهد الراهن يعكس انتقال الصراع من مواجهة محدودة بين روسيا وأوكرانيا إلى معادلة أوسع تتداخل فيها الساحات الأوروبية والشرق أوسطية والقوقازية. وبينما تتحرك واشنطن لتقليص المجال الروسي في المنطقة، تسعى موسكو إلى منع هذا المسار عبر إعادة توزيع ساحات الضغط وفتح جبهات موازية.

ومن هنا، فإن رسالة قديروف لا تُقرأ فقط بوصفها دعوة إلى التصعيد العسكري، وإنما باعتبارها مؤشرًا على تصور استراتيجي يقوم على تغيير قواعد اللعبة نفسها. فإذا كان الهدف من الاحتواء هو تطويق الخصم وإضعاف قدرته على الحركة، فإن الاحتواء المعاكس يقوم على نقل كلفة المواجهة إلى الطرف الآخر وفتح ساحات تجبره على توزيع قدراته وموارده على أكثر من اتجاه.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية للرسالة، إذ إن انتقال هذه الرؤية من مستوى الطرح السياسي إلى مستوى التنفيذ العسكري قد يجعل ساحات الصراع مترابطة بصورة غير مسبوقة، ويضع المنطقة أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل التحالفات وموازين النفوذ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى