سياسة وأحزاب

معركة الوجود السياسي في تل أبيب.. من نتنياهو إلى أيزنكوت

بقلم الكاتب العراقي: محمد الماس | حين تتقاطع خرائط الدم مع حسابات الصناديق الانتخابية، تتهاوى استراتيجيات الإمبراطوريات وتتغير وجوه البيادق على رقعة الشرق الأوسط. لم يعد الصراع الراهن مجرد معارك تُحسم على خطوط النار، إنما هو صراع وجود سياسي وأخلاقي يعري هشاشة الكيانات وتناقضات الحلفاء. وفي قلب هذا المخاض يقف نتنياهو على حافة الهاوية، محاصراً بين غطرسة مشاريعه التوسعية ورعب السقوط المدوي أمام منافس يمتلك شرعية الدم والشارع. وبينما تتربص واشنطن لترتيب الأوراق على وقع تسويات باردة وإعادة هندسة القواعد الإقليمية، تظل المنطقة بأسرها معلقة على صفيح ساخن بانتظار الانفجار الكبير الذي سيعيد رسم خريطة النفوذ لمرحلة تاريخية كاملة.

إذ يتشكل المشهد الإقليمي والدولي الراهن من جملة من التناقضات المعقدة والمتشابكة التي تحكم مسارات الصراع والتسوية في المنطقة، حيث يبرز في الواجهة تكرار إعلان الإدارة الأمريكية بقيادة ترامب نيتها تفويض الجيش اللبناني لمواجهة حزب الله في لبنان، بينما تتصاعد في بيروت خطابات التفاؤل الحذر بإمكانية التوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل تحت الرعاية الأمريكية ذاتها.

وفي خضم هذا التناقض الظاهري، تقف السياسة الإسرائيلية أمام مأزق الانتخابات المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر، والتي يخوضها نتنياهو محكوماً بحسابات بقائه السياسي واسترضاء قاعدته الانتخابية المتطرفة، لا سيما في شمال إسرائيل ومستوطنات الضفة التي تعد الخزان البشري لحزب الليكود والأحزاب الاستيطانية، وهو ما يجعل أي انسحاب عسكري من جنوب لبنان وتسليم السيادة للجيش اللبناني مغامرة قد تكلف نتنياهو كرسيه السياسي، لأن هكذا خطوة ستُفسَّر كخضوع وتنازل يفقد قاعدته الحزبية والانتخابية الثقة به.

ولا سيما أن المنافس الأبرز له ليس شخصية عادية، إنما هو غادي أيزنكوت، رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ومؤسس حزب «يشار» اليميني الوسطي، الذي ينافس نتنياهو بندية واضحة في استطلاعات الرأي الأخيرة، متسلحاً ببعدين استراتيجيين يهددان عرش نتنياهو. الأول يتمثل في أن قاعدته تتشابه في الأصول المغاربية وشمال أفريقيا، مما يسهل على أيزنكوت اختراق الحاضنة الشعبية التقليدية لليكود.

أما البعد الثاني، والأكثر تأثيراً في وجدان الناخب الإسرائيلي، فهو الثمن الشخصي الذي دفعه أيزنكوت بعد مقتل ابنه في معارك قطاع غزة ضد حركة حماس، وهو في تناقض صارخ مع أبناء نتنياهو الذين غادروا البلاد نحو لندن وفلوريدا تفادياً للتجنيد العسكري، الأمر الذي يمنح أيزنكوت رصيداً شعبياً مضاعفاً.

ومن هنا، فإن أي انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان سيواجه إما سياسة المماطلة والتسويف من قبل نتنياهو لحين انتهاء المعركة الانتخابية، أو اختيار نقاط انسحاب شكلية لا تمس جوهر الوجود العسكري تحت نهر الليطاني، وإما أن يتم دفع الأمور نحو انسحاب فعلي يفرضه تقاطع الرغبات الدولية والأمريكية للإطاحة بنتنياهو.

وهنا تكمن المصلحة الاستراتيجية لإدارة واشنطن في تسويق رواية سياسية جديدة للمنطقة، مفادها أن إزاحة نتنياهو والتيار المتطرف الذي جر الشرق الأوسط نحو نزاعات وحروب مفتوحة تحت شعارات مشروع إسرائيل الكبرى، تفتح الباب أمام مرحلة سياسية مختلفة عنوانها حاكم جديد ذو توجه يكبل الحدود التاريخية المرسومة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، ليكون شريكاً مقنعاً لاستئناف مسار اتفاقيات إبراهيم وتوسيع دائرة التطبيع الإقليمي، غير متجاوز الأطماع التوسعية الكبرى التي تهدد أمن واستقرار الدول الإقليمية المحيطة.

وبذلك تستثمر واشنطن نتائج أي سقوط انتخابي لنتنياهو لإعادة هندسة المشهد الدبلوماسي وفرض واقع جديد تحت غطاء السلام الموعود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى