سياسة وأحزابأهم الاخبار

تحليل إخباري | من سوريا إلى العراق.. صراع المحاور الثلاثة يعيد رسم الشرق الأوسط

تحليل إخباري للكاتب العراقي : محمد الماس | الشرق الأوسط يدخل مرحلة مختلفة تمامًا، فالمشهد لم يعد محصورًا بين محورين متصارعين، وإنما ظهرت ثلاثة محاور تتحرك بسرعة، وتتقاطع مصالحها وتتصادم أهدافها، وهو ما يطرح السؤال الأهم: هل ما نشهده اليوم مجرد إعادة تشكيل طبيعية لموازين القوى، أم أن المنطقة تتحرك نحو الفخ الإسرائيلي المرسوم للشرق الأوسط الجديد؟

البداية من سوريا، حيث يبدو الصراع التركي الإسرائيلي أكثر وضوحًا. فإسرائيل ترفض تمدد النفوذ التركي داخل سوريا، وقد جاء تصريح وزير الأمن الإسرائيلي قبل أيام ليكشف حجم القلق الإسرائيلي حين اتهم أردوغان بدفع تركيا نحو مغامرات داخل سوريا، مؤكدًا أن إسرائيل لن تسمح لأي جهة بتهديد أمنها.

الكاتي العراقي محمد الماس
الكاتي العراقي محمد الماس

السؤال هنا: لماذا تنظر إسرائيل إلى تركيا باعتبارها تهديدًا داخل سوريا؟

الإجابة ترتبط بحجم النفوذ التركي داخل مؤسسات الدولة السورية، خصوصًا في ملف الطاقة والقواعد العسكرية، إلى جانب النفوذ السياسي والعسكري المرتبط بقوى وتيارات إسلامية متمثلة في الإخوان والسلفية وداعش. وترى إسرائيل أن تركيا تمتلك تأثيرًا واسعًا عليها، كما أن إسرائيل تدرك أن تركيا تمتلك قدرة على تمرير السلاح نحو حزب الله، سواء عبر العراق أو عبر قواعد روسية داخل سوريا، وهو ما يجعل أنقرة لاعبًا يصعب تجاوزه في معادلة المنطقة.

في المقابل، حاولت إسرائيل دفع تركيا نحو توظيف قوات الشرع في مواجهة حزب الله والحشد الشعبي بالتنسيق مع الأكراد ضمن المشهد الحدودي مع العراق، إلا أن تركيا تحاول الحفاظ على مساحة مناورة واسعة، خصوصًا مع حساسية الملف الكردي وعدم ثقتها بالمسار الإسرائيلي تجاه الأكراد.

وهنا يظهر السيناريو السوري بصورة أكثر خطورة، فإسرائيل عندما واجهت نفوذًا تركيًا داخل سوريا، اتجهت المعادلة نحو إعادة ترتيب المؤسسة العسكرية السورية. وقبل نحو أسبوعين أو أكثر، جرى إبعاد قائد فرقة عسكرية مقرب من تركيا يُعرف باسم أبو عمشة ضمن خطة لإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، وهو ما تسبب في حالة استنفار عسكري داخل سوريا.

فموافقة الحكومة السورية على هذا التغيير وتقليص النفوذ التركي داخل القواعد العسكرية قد تكون محاولة لتجنب استهداف النظام السوري، لكن المشكلة الأكبر تبقى في الموقف التركي.

فهل تتوقف تركيا عن دعم نفوذها داخل سوريا تحت الضغط الإسرائيلي، أم أن المرحلة المقبلة ستشهد مواجهة غير مباشرة بين الطرفين؟

هنا نصل إلى التحول الأهم في المشهد الإقليمي، وهو ظهور محور ثالث يُعرف بتحالف مكة، الذي يجمع تركيا والسعودية وباكستان.

فبعد أن كانت المنطقة تتحرك بصورة رئيسية بين محور إسرائيل ومحور إيران، أصبح المشهد أمام ثلاثة محاور متنافسة، لكل منها حساباته وأهدافه.

المحور الإيراني يحاول مواجهة إسرائيل وأمريكا، وأمريكا وإسرائيل تعملان على مواجهة النفوذ الإيراني والمحور الشيعي في المنطقة، وتحالف مكة أيضًا يتحرك ضمن مسار مواجهة النفوذ الإيراني وفق صيغة تتقاطع مع الرؤية الأمريكية للمنطقة.

ففي جبهة إيران، انتقل دونالد ترامب إلى الضغط الاقتصادي بعد أن وقفت إيران في وجه خطته وأفشلت مسارًا كان يقوم على دفع السعودية وتركيا نحو مواجهة عسكرية مع إيران، بالتزامن مع انسحاب القوات الأمريكية لتترك الطرفين أمام مواجهة مباشرة.

هذه المرحلة لا تعني نهاية الصراع، وإنما تعني تغير أدواته.

فالمنطقة تستعد، وفقًا لهذه القراءة، لثلاث مواجهات متزامنة قد تتصاعد في أواخر سبتمبر، وقد تكون الشرارة الأولى من العراق مع توجه الحكومة العراقية نحو حصر السلاح بيد الدولة.

وأي انفجار داخل العراق لن يبقى داخل حدوده، فآثاره يمكن أن تمتد نحو لبنان واليمن، وتنعكس على المواجهة بين الحوثيين وقوى التحالف.

وهنا يظهر السؤال الأخطر:

هل نشهد مسارًا إقليميًا طبيعيًا، أم أن هناك مشروعًا إسرائيليًا يدفع المنطقة باتجاه محدد؟

عند النظر إلى الرؤية العقدية الإسرائيلية للشرق الأوسط الجديد، تظهر قراءة أكثر حساسية تستند إلى معتقدات دينية وتفسيرات مرتبطة بالأسفار.

فبحسب قراءة مرتبطة بسفر دانيال، يُفترض أن تخوض إسرائيل حروبًا لمدة سبع سنوات قبل الوصول إلى مرحلة بناء المملكة. وبما أن حروب المنطقة بدأت عام 2023، فإن هذه القراءة تجعل عام 2030 تاريخًا محوريًا في تصور السيطرة على المنطقة.

كما تربط بعض القراءات الإسرائيلية بين سفر إرميا وبين كسر قوس عيلام، الذي جرى تفسيره على أنه مقتل السيد حسن نصر الله، باعتباره محطة ضمن مسار كسر البوابة الشمالية الشرقية وشرطًا من الشروط اللازم تحقيقها.

وبعد إضعاف إيران، تأتي مرحلة عقدة العقد الثامن المرتبطة بعمر الدولة، والتي تمتد بحسب هذا التصور من منتصف 2027 إلى عام 2028.

ثم يظهر الخطر الأكبر من الشمال، فبحسب سفر حزقيال، الإصحاحين 38 و39، تفسر بعض القراءات هذه القوة بأنها إيران، وتنسب إليها تحالفًا مع فارس وكوش وفوت، أي إيران والسودان وليبيا.

لكن المفارقة في هذا التصور أن التحالف نفسه يُفترض أن يتعرض لصراعات داخلية تمنعه من الاستمرار، وهو ما يجعل ما يجري داخل السودان وليبيا جزءًا من قراءة أوسع للمشهد.

أما تركيا وإيران، فالمعادلة تبدو أكثر تعقيدًا.

فالتقارير التي تتحدث عن مساعدة تركيا في تمرير الأسلحة إلى حزب الله يمكن قراءتها ضمن تقارب تركي إيراني فرضته المصالح المشتركة وعدم ثقة تركيا بإسرائيل، خصوصًا في ملف الأكراد.

وهنا قد يتحول المشهد من تعاون تركي إيراني مؤقت إلى مواجهة بين الطرفين عندما تتغير المصالح وتتحرك تركيا باتجاه الدور الذي تضعه لها هذه القراءة.

وفي النهاية، فإن أخطر ما في المشهد ليس وجود محور واحد أو مواجهة واحدة، بل اجتماع ثلاثة محاور في وقت واحد، مع صراع على سوريا، وصراع على العراق، ومواجهة مع إيران، وتوتر حول تركيا، وحرب مفتوحة على النفوذ في اليمن.

ومن هنا فإن السؤال لم يعد: من ينتصر في المواجهة القادمة؟

وإنما: من ينجح في دفع خصومه إلى خوض الحروب التي يريدها هو؟

فإذا كانت هذه التحولات مجرد نتيجة طبيعية لصراع المصالح، فإن المنطقة تتجه نحو مرحلة طويلة من الفوضى الإقليمية.

أما إذا كانت هذه التحولات تتحرك ضمن مشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط، فإن ما نراه اليوم قد لا يكون سوى بداية الطريق.

طريق يقود إلى شرق أوسط جديد تكون فيه الحروب أداة لإعادة رسم الحدود والنفوذ والتحالفات.

وهنا تحديدًا يظهر الفخ الإسرائيلي:

أن تتحول المنطقة كلها إلى ساحات صراع، بينما تبقى إسرائيل في موقع من يدير اتجاه الصراع ويعيد ترتيب نتائجه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى