
كتبت هدى العيسوى
شهدت حلقة الخميس من برنامج «قضيتي»، الذي يقدمه الدكتور نادر الصيرفي، المحامي، مواجهة ساخنة حول أزمة الطلاق لدى المسيحيين ومشروع قانون الأحوال الشخصية الجديد، بعدما استضاف البرنامج الأستاذ صفوت فتحي، الموسيقي بوزارة الثقافة وعازف الدرامز بفرقة رضا للفنون الشعبية، الذي كشف تفاصيل رحلة قضائية وأسرية امتدت لسنوات ووصلت، بحسب قوله، إلى نحو 70 دعوى مدنية وأسرية.
وأدار الصيرفي الحوار عبر الربط بين التجربة الشخصية للضيف وبين التعديلات التي طرأت على لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس، ثم انتقل إلى توجيه انتقادات حادة لبعض صياغات مشروع القانون الجديد، معتبرًا أنها لا توسع حلول أزمة الطلاق وإنما تزيدها تعقيدًا.
صفوت فتحي: اضطررت إلى تغيير الملة حتى أتمكن من الطلاق
وقال صفوت فتحي إنه عانى لسنوات بسبب صعوبة الحصول على الطلاق في ظل تعديلات عام 2008 التي قصرت أسباب الطلاق على الزنا وما يعرف بالزنا الحكمي.
وأوضح أنه لجأ إلى تغيير الملة إلى طائفة السريان الأرثوذكس، مستندًا إلى شهادة تغيير ملة حصل عليها بتزكية من المجلس الإكليريكي للأقباط الأرثوذكس، حتى يتمكن من إنهاء العلاقة الزوجية قضائيًا.
ومن هنا، أثار الصيرفي ما وصفه بـ**«التناقض»** في الموقف الذي ترتب على تعديلات 2008، متسائلًا: كيف تُلغى الأسباب الدينية المتعددة للتطليق التي كانت تتضمنها لائحة 1938، ثم يجد بعض أبناء الكنيسة أنفسهم مضطرين إلى اللجوء إلى تغيير الملة وما يترتب عليه قانونًا من تطبيق قواعد مختلفة للوصول إلى الطلاق؟
واستعرض الصيرفي خلال الحلقة الخلفية التاريخية للائحة 1938 ومصادرها، مشيرًا إلى التراث القانوني الكنسي السابق عليها، ومنه كتاب «الخلاصة القانونية في الأحوال الشخصية»، ومراحل تطور تنظيم الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس.
الصيرفي: حبيب المصري صاغ لائحة 1938 كأنها «نوتة موسيقية»
وفي إشارة ساخرة إلى كون ضيف الحلقة موسيقيًا ومؤلفًا لكتاب لتعليم العزف على الدرامز، قال الصيرفي إن حبيب باشا المصري صاغ مواد لائحة 1938 كما تُصاغ «النوتة الموسيقية»؛ في إشارة منه إلى ما اعتبره دقة وترابطًا في بناء أسباب التطليق الواردة باللائحة.
وانتقل الصيرفي إلى مهاجمة بعض صياغات مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، متوقفًا عند استخدام المشروع لمصطلح «الفجور» ضمن مادة تتناول التحريض على الزنا والفجور.
وقال ساخرًا:
«المشروع يجعل التحريض على الفجور سببًا للتطليق.. بينما الفجور نفسه ليس سببًا مستقلًا للتطليق!»
وانتقد الصيرفي حذف الصياغة التي كانت تقرر، وفق ما عرضه خلال الحلقة، جواز طلب التطليق إذا «فسد أحد الزوجين وانغمس في حمأة الرذيلة وفشلت محاولات الرئاسة الدينية في إصلاحه»، معتبرًا أن حذف هذا التنظيم يكشف عن تضييق متعمد لنطاق الأسباب التي تسمح بإنهاء الزواج.
«استحكام النفور» بدلًا من «استحالة العشرة».. والصيرفي: تضييق يفرغ الهجر من مضمونه
ولم تتوقف انتقادات مقدم «قضيتي» عند هذا الحد، إذ أشار إلى أن صياغات المشروع استبدلت، بحسب قراءته للنصوص، تعبير «استحكام النفور» بتعبير «استحالة العشرة»، معتبرًا أن الانتقال إلى معيار «الاستحالة» يرفع سقف الإثبات بصورة شديدة.
وقال الصيرفي إن اشتراط الوصول إلى مرحلة «استحالة العشرة» من شأنه، في التطبيق، أن يفرغ الهجر من جزء كبير من مضمونه كسبب للتطليق، لأن المشرع لا يعود أمام مجرد انهيار فعلي للعلاقة، وإنما أمام اشتراط إثبات وصول استمرارها إلى حد الاستحالة.
كما انتقد تعديل الصياغة المتعلقة بالإيذاء الجسدي، ومقارنتها بالنصوص السابقة التي كانت تتعامل بصورة أوسع مع الاعتداء الذي يعرض صحة أو حياة الزوج الآخر للخطر.
الصيرفي: وضع أسباب لائحة 1938 تحت عنوان «الانحلال المدني» يشوه حقيقتها
ووجّه الصيرفي انتقادًا أكثر حدة إلى المنهج الذي اتبعه المشروع في تصنيف بعض هذه الحالات تحت مفهوم «الانحلال المدني للزواج»، معتبرًا أن ذلك يقدم أسبابًا ذات جذور في التنظيم الكنسي التاريخي وكأنها مجرد حلول مدنية مستحدثة.
وقال إن خطورة الأمر تتضاعف مع الاتجاه إلى إلغاء الأثر الذي كان يترتب على تغيير الملة في تحديد الشريعة الواجبة التطبيق، معتبرًا أن النتيجة العملية لذلك قد تكون جعل الحصول على الطلاق شبه مستحيل في حالات كثيرة إذا لم تتوافر الأسباب الضيقة التي يقرها المشروع.
ضيف «قضيتي»: لائحة 1938 كانت ستحل مشكلتي باحترام
من جانبه، أيد صفوت فتحي جانبًا من هذا الطرح، مؤكدًا أن تطبيق لائحة 1938 كان، من وجهة نظره، يمكن أن يوفر حلًا قانونيًا لمشكلته الزوجية بصورة أكثر احترامًا وهدوءًا.
وقال إن اللائحة كان يمكن أن «تحل مشكلة الطلاق بشكل محترم دون الخوض في مسائل تهدد سمعة الأسرة المسيحية».
وتحدث الضيف عن الأثر الاجتماعي لعبارة «لا طلاق إلا لعلة الزنا»، معتبرًا أنها ساهمت مع مرور الوقت في تكوين ارتباط ذهني لدى قطاع من المجتمع بين طلاق المسيحيين وبين الزنا، رغم أن دعاوى الطلاق قد تقوم – وفق النظام القانوني الذي كان قائمًا – على أسباب أخرى، ومنها اختلاف الملة.
وكشف أن زوجته السابقة، عندما أقام دعوى الطلاق على أساس تغيير الملة، سعت – بحسب روايته – إلى إفشال الدعوى، خشية أن ينظر المجتمع إلى وقوع الطلاق باعتباره مرتبطًا بالزنا، رغم أن الأساس القانوني لدعواه لم يكن الزنا.
70 دعوى بين الزوجين.. والأبناء يدخلون ساحة المحاكم
وكشف صفوت فتحي عن الوجه الأكثر قسوة في تجربته، قائلًا إن استمرار العلاقة الزوجية قانونيًا رغم انهيارها فعليًا أدى إلى انتقال الصراع إلى ساحات أخرى أمام المحاكم.
وأضاف أن زوجته السابقة أقامت العديد من دعاوى النفقات، معتبرًا – من واقع تجربته الشخصية – أن بعضها لم يكن مرتبطًا بالحاجة المادية بقدر ما كان انعكاسًا للصراع حول استمرار العلاقة الزوجية.
كما قال إن أبناءه أقاموا دعاوى حبس ضده، رغم أن موقفه من تغيير الملة كان، بحسب تأكيده، قد تم بناءً على شهادة حصل عليها بموافقة كنسية.
وأوضح أن إجمالي القضايا التي دارت بين الطرفين وصل إلى نحو 70 دعوى مدنية وأسرية، لا تزال 6 دعاوى منها متداولة.
الصيرفي: حين يصبح إنهاء الزواج مستحيلًا.. تتحول الأسرة إلى عشرات القضايا
وعلّق الصيرفي بأن تجربة الضيف تكشف، من وجهة نظره، مشكلة أكبر من مجرد تحديد أسباب الطلاق، وهي تكلفة إجبار علاقة زوجية منهارة فعليًا على الاستمرار قانونيًا.
واعتبر أن النتيجة قد لا تكون حماية الزواج، وإنما نقل النزاع من دعوى طلاق واحدة إلى عشرات الدعاوى المتعلقة بالنفقات والحبس والمسكن وغيرها من المنازعات الأسرية.
وانتقد الصيرفي ما وصفه بالوضع «الكارثي» الناتج عن صعوبة الطلاق لدى الأرثوذكس، ووصول الأمر إلى حظر الطلاق من حيث الأصل في التنظيم الكاثوليكي، ضاربًا مثالًا صادمًا بالحالة التي يكتشف فيها الزوج الكاثوليكي خيانة زوجته.
وقال الصيرفي إن الإشكالية التي يجب على المشرع الإجابة عنها بوضوح هي: ما المركز القانوني لزوج كاثوليكي يثبت أمامه زنا زوجته بينما لا يسمح نظام طائفته بالطلاق؟ وما الآثار المالية والميراثية المترتبة على استمرار رابطة الزواج قانونًا؟
واعتبر أن ترك هذه الأسئلة دون معالجة تشريعية دقيقة قد يؤدي إلى نتائج شديدة القسوة، إذ قد تظل رابطة الزوجية وما يرتبط بها من آثار مالية وسكنية وميراثية قائمة رغم الانهيار الكامل للعلاقة.
«قضيتي» يعيد السؤال الأصعب: هل يحل القانون الجديد أزمة الأسرة المسيحية أم يغلق آخر أبواب الطلاق؟
وانتهت الحلقة إلى طرح سؤال يتجاوز تجربة صفوت فتحي الشخصية إلى جوهر مشروع القانون الجديد:
هل ينجح مشروع الأحوال الشخصية للمسيحيين في إنهاء أزمات استمرت عشرات السنوات، أم أن إلغاء تغيير الملة وتضييق أسباب التطليق سيؤديان إلى إغلاق المزيد من الأبواب أمام الأزواج الذين استحالت حياتهم المشتركة؟
وهو السؤال الذي أعاده الصيرفي إلى واجهة النقاش بقوة، مؤكدًا أن حماية قدسية الزواج لا ينبغي أن تتحول تشريعيًا إلى حماية شكلية لرابطة انهارت في الواقع، بينما تتحول الأسرة نفسها إلى عشرات القضايا أمام المحاكم.



