من ليبيا إلى باب المندب.. معركة النفوذ الروسي الأمريكي
لم تعد الصراعات الدائرة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء ملفات منفصلة يمكن قراءتها كلٌ على حدة، بل أصبحت أجزاءً من لوحة جيوسياسية واحدة تتشابك فيها مصالح القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا، في صراع متصاعد على النفوذ والممرات الاستراتيجية ومصادر الطاقة.
وفي قلب هذه اللوحة تبرز ليبيا باعتبارها إحدى أهم ساحات الاشتباك غير المباشر بين موسكو والغرب. فتمركز النفوذ الروسي في جنوب وشرق البلاد منح الكرملين موطئ قدم استراتيجياً على الضفة الجنوبية للمتوسط، بينما حافظ الغرب على حضوره ونفوذه في غرب ليبيا، لتتحول البلاد إلى نقطة توازن دقيقة بين المشروعين المتنافسين.
وفي هذا السياق، برز الدور الأوكراني باعتباره امتداداً للمواجهة المفتوحة مع روسيا، حيث تحركت كييف نحو منطقة الساحل الأفريقي وجنوب ليبيا عبر دعم مجموعات مسلحة في مالي، والمشاركة في برامج تدريب لمقاتلين من دول أفريقية مختلفة، تمهيداً لإشراكهم في ساحات قتال متعددة تشمل أوكرانيا والسودان ومالي. ويتزامن ذلك مع محاولات غربية لفتح قنوات تواصل أوسع مع قيادة المشير خليفة حفتر، التي ارتبطت تاريخياً بعلاقات وثيقة مع موسكو.
لكن الضغوط الأمريكية لا تتوقف عند الساحة الليبية. فواشنطن تدرك أن السيطرة على طرق التجارة والطاقة تمثل أحد أهم مفاتيح الضغط في الصراع الدولي الراهن. ومن هنا يأتي الاهتمام بمضيق هرمز، إلى جانب المتغيرات المرتبطة بباب المندب، خاصة مع تنامي التعاون الاقتصادي بين مصر والصين، وما يتيحه من مسارات بديلة لحركة التجارة الصينية بعيداً عن أي قيود محتملة على هرمز.

وبذلك تبدو ليبيا وهرمز وباب المندب حلقات متصلة في استراتيجية أوسع تسعى من خلالها الولايات المتحدة إلى تضييق هامش الحركة أمام موسكو، ودفعها نحو تسويات سياسية تخدم التوازنات الغربية في أكثر من ساحة.
في المقابل، لا تبدو موسكو بعيدة عن هذا الإدراك. فباب المندب، بالنسبة للكرملين، يمثل ورقة ضغط لا تقل أهمية عن غيرها من الملفات الاستراتيجية. ومن هذا المنظور يمكن تفسير الاهتمام المتزايد بالمضيق، وما يرتبط به من تحركات عسكرية وأمنية في البحر الأحمر ومحيطه.
فلو بقيت المواجهة اليمنية محصورة في نطاقها التقليدي على الحدود الشمالية مع السعودية أو في استهداف منشآت وناقلات النفط، لظل الصراع في إطار محلي أو إقليمي محدود. أما انتقال الأنظار إلى باب المندب، أحد أهم شرايين التجارة العالمية، فيحمل أبعاداً تتجاوز اليمن بكثير، لتلامس حسابات القوى الكبرى وموازين النفوذ الدولية.
ويبقى السؤال الأهم: لماذا تغيب كثير من هذه التفاصيل عن الخطاب الرسمي المعلن؟ ربما لأن الكشف الكامل عن طبيعة الصراع وتشابكاته قد يفتح الباب أمام ردود فعل يصعب التحكم فيها داخل منطقة شديدة الحساسية سياسياً واقتصادياً ودينياً. ولذلك تستمر إدارة الأزمات عبر مستويات متعددة من الغموض، في انتظار اتضاح ملامح التوازنات الجديدة التي يجري رسمها حول الممرات البحرية وخطوط الطاقة الأكثر أهمية في العالم.
بقلم الكاتب العراقي محمد الماس



