رأي وتحليل

الدكتور فتحي الشرقاوي يكتب: الكوتشي والشبشب

يسير بجوار ابنته في طريقهما إلى المدرسة، في أول أيام الدراسة. يبدو من ملابسه أنه لا يملك من الدنيا إلا القليل؛ ثيابه متهالكة، وفي قدميه شبشب بسيط يعكس حالته المادية، بينما ترتدي ابنته يونيفورم جديدًا، وفي قدميها حذاء رياضي جديد «كوتشي».

لم يكتفِ بذلك، بل ظهر يحمل على كتفيه حقيبتها المدرسية، ويمشي بجوارها منتشيًا وسعيدًا وفخورًا، كأنه يحمل معها أحلامه كلها.

توقفتُ أمام هذا المشهد طويلًا. أحيانًا لا نحتاج إلى ميزان إلكتروني كي نعرف حجم التضحيات التي يقدمها الآباء؛ يكفي أن تنظر إلى ما يرتديه الأب وما ترتديه ابنته.

الدكتور فتحي الشرقاوي يكتب: الكوتشي والشبشب
الدكتور فتحي الشرقاوي يكتب: الكوتشي والشبشب

هذا الرجل لم يكن فقيرًا في الحب، كان فقيرًا في المال فقط، ولعل الفارق بين الاثنين هائل.

الفقر الحقيقي ليس أن تقلل من طعامك، أو تؤجل شراء ملابسك، أو ترتدي حذاءً قديمًا لأن ثمن الجديد ليس متاحًا. الفقر الحقيقي أن تكون قادرًا على امتلاك شيء لأبنائك ثم تمنعه عنهم بلا سبب.

أما أن تحرم نفسك لكي لا يشعر ابنك بالنقص، فهذه ليست هزيمة، بل مشاعر أبوة من نوع آخر.

الأب الفقير كثيرًا ما يمارس اقتصادًا قاسيًا مع نفسه؛ يؤجل حاجته، يختصر وجبته، يؤخر شراء ملابسه، يصلح ما يمكن إصلاحه، ويقول لنفسه: «أنا أستطيع أن أتحمل، لكن ابني لا ينبغي أن يشعر بأنه أقل من زملائه».

هنا تظهر واحدة من أعمق صور الرعاية الوالدية؛ أن يضع الأب احتياجات طفله النفسية والاجتماعية ضمن أولوياته، لا احتياجاته المادية فقط.

الطفلة هنا لا ترى الحذاء باعتباره قطعة من الجلد أو القماش، بل تراه رسالة: «أنا مثل زملائي، وأنا لست أقل منهم».

هذا الأب الفقير الذي يشتري لابنته حذاءً جديدًا بينما يمشي بشبشب، لا يشتري لها الحذاء فقط، بل يحاول أن يحميها من شعور مؤلم اسمه الاختلاف الاجتماعي أو الإحساس بالنقص.

وفي هذا السياق، ينبغي أن نركز على خطأ اجتماعي في رؤيتنا لبعضنا البعض. نحن أحيانًا نرى الأب يرتدي القديم، فنظن أنه مهمل في نفسه، ولا نعرف أنه ربما اختار ذلك عن عمد.

قد يكون أمامه مبلغ صغير جدًا، وعليه أن يقرر: هل أشتري لنفسي أم أشتري لابنتي؟ هل أجدد ملابسي أم أدفع مصروف المدرسة؟ هل أشتري طعامًا أفضل أم أشتري لها مستلزمات الدراسة؟

هكذا يعيش بعض الآباء معادلة يومية لا يعرفها إلا من عاشها.

هناك آباء يأكلون من نصيبهم لكي يشبع أبناؤهم، ويلبسون القديم لكي يلبس أبناؤهم الجديد، ويختصرون من راحتهم لكي لا يشعر أبناؤهم بأنهم أقل من غيرهم.

هؤلاء لا يحتاجون إلى شفقة الناس، بل يحتاجون إلى احترامهم؛ لأن وراء كل قطعة ملابس جديدة لطفل فقير، قد تكون هناك قطعة قديمة يرتديها أبوه منذ سنوات، ووراء كل حذاء جديد اشتراه الأب لابنته، قد يكون هناك أب قرر أن يؤجل شراء حذائه هو مرة أخرى.

تحية واجبة لكل أب فقير لا يزال يحلم بمستقبل أولاده، عوضًا عما أصابه.

بقلم: أ.د فتحي الشرقاوي – أستاذ علم النفس – جامعة عين شمس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى