ملحمة العبور التي صنعت المجد وأعادت الثقة لوطن بأكمله

بقلم: إيهاب نجاح جندية
العاشر من رمضان.. يوم عبرت مصر من الهزيمة إلى النصر
في العاشر من رمضان 1393هـ، الموافق السادس من أكتوبر 1973، لم يكن اليوم مجرد معركة عسكرية، بل كان لحظة فارقة في تاريخ أمة كاملة. كان موعدًا بين شعب أراد استرداد كرامته، وجيش أقسم أن يرفع راية الوطن مهما كان الثمن.
لم يكن الجندي المصري في هذا اليوم مجرد مقاتل يحمل سلاحه، بل كان روحًا ممتلئة بالإيمان، وقلبًا نابضًا بحب الوطن. كانت عزيمتهم قوة لا تشبهها قوة، وإرادتهم صلبة لا يعرفها إلا من آمن أن الدفاع عن الأرض عبادة، وأن التضحية شرف.
الكثير منهم كان صائمًا، ومع ذلك لم يشعر بعطش أو إرهاق. لم تكن حرارة الشمس أقوى من حرارة الشوق لتحرير الأرض. استمدوا قوتهم من يقين راسخ بأن الله ناصرهم، وأن الحق لا يضيع ما دام وراءه رجال يؤمنون به.

قاتلوا بروح ترى في كل حبة رمل أمانة، وفي كل خطوة على أرض سيناء رسالة. لم يدخلوا المعركة وهم يفكرون في أنفسهم، بل دخلوا وهم يحملون يقينًا بأن النصر سيأتي بإذن الله. كانت روحهم القتالية عالية، لا تعرف التراجع ولا تعترف بالمستحيل.
آمنوا أن النصر لا يُقاس بعدد السلاح، بل بقوة العقيدة وصفاء النية والتوكل الصادق على الله.
من نكسة 1967 إلى التخطيط لعبور قناة السويس
بعد سنوات من نكسة 1967، عملت الدولة المصرية في صمت وإصرار على إعادة بناء قواتها المسلحة. وجاءت حرب الاستنزاف لتكون تدريبًا حقيقيًا واستعدادًا لمعركة التحرير الكبرى.
تدريبات مستمرة، وخطط دقيقة، وإعداد نفسي ومعنوي لجندي يعلم أنه سيكتب صفحة جديدة في تاريخ وطنه.
وقاد الرئيس الراحل محمد أنور السادات قرار الحرب بشجاعة وثقة في قدرات جيشه. وجاء التنسيق مع سوريا ليشكل جبهة موحدة أربكت العدو منذ اللحظات الأولى، وأثبت أن العرب حين يتحدون يصنعون الفارق.
وفي الساعة الثانية ظهرًا، انطلقت الطائرات المصرية تعبر قناة السويس، بالتزامن مع تمهيد مدفعي كثيف حطم أسطورة خط بارليف. وخلال ساعات قليلة، كان الجندي المصري يعبر القناة، ويثبت العلم على الضفة الشرقية، ويعلن بداية مرحلة جديدة عنوانها الكرامة.
وضع خطة العبور قادة عظام، في مقدمتهم القائد العام أحمد إسماعيل علي، ورئيس الأركان سعد الدين الشاذلي، اللذان أثبتا أن التخطيط المحكم لا يقل أهمية عن الشجاعة في أرض المعركة.

وبرزت بطولات فردية خالدة، منها بطولة البطل عبد العاطي، صائد الدبابات، الذي تحول إلى رمز للعزيمة والإيمان بالنصر.
ولم تكن معركة العبور وليدة اللحظة، بل جاءت بعد إعداد طويل وتراكم للخبرات خلال سنوات حرب الاستنزاف، وهو ما منح القوات المصرية القدرة على تنفيذ عملية واسعة النطاق تتطلب تنسيقًا بين القوات الجوية والمدفعية والمشاة والمهندسين والقوات البحرية والدفاع الجوي.
بيانات العبور وبطولات أبطال حرب أكتوبر
أكدت البيانات الصادرة عن القيادة العامة للقوات المسلحة خلال حرب أكتوبر حجم العمليات التي نفذتها القوات المصرية منذ اللحظات الأولى للمعركة.
ففي البيان رقم 1 الصادر في 6 أكتوبر 1973، أعلنت القيادة أن العدو هاجم القوات المصرية في منطقتي الزعفرانة والسخنة بخليج السويس، بواسطة تشكيلات من قواته الجوية، بينما كانت بعض زوارقه البحرية تقترب من الساحل الغربي للخليج، وأكد البيان أن القوات المصرية كانت تتصدى للقوات المهاجمة.
وفي البيان رقم 2، أعلنت القيادة أن القوات الجوية المصرية بدأت، ردًا على العدوان، قصف قواعد العدو وأهدافه العسكرية في الأراضي المحتلة.
وجاء البيان رقم 3 ليؤكد تنفيذ القوات الجوية مهامها بنجاح وإصابتها مواقع العدو إصابات مباشرة، مع عودة جميع الطائرات إلى قواعدها باستثناء طائرة واحدة.
وفي البيان رقم 4، أعلنت القيادة أن القوات المصرية تصدت لمحاولة معادية للاستيلاء على جزء من الأراضي غرب القناة، ثم نفذت هجومًا مضادًا ناجحًا، قبل أن تقتحم بعض القوات قناة السويس وتطارد العدو إلى الضفة الشرقية.
أما البيان رقم 5، فأعلن نجاح القوات المصرية في اقتحام قناة السويس في قطاعات عديدة والاستيلاء على نقاط العدو القوية ورفع علم مصر على الضفة الشرقية للقناة، بالتزامن مع تحقيق القوات المسلحة السورية نجاحات في قطاعات مختلفة.
وفي البيان رقم 6، أعلنت القيادة أن العدو دفع بأعداد كبيرة من قواته الجوية بعد نجاح القوات المصرية في عبور القناة، وأن المقاتلات المصرية تصدت لها في معارك عنيفة.
ثم جاء البيان رقم 7 ليعلن نجاح القوات المسلحة المصرية في عبور قناة السويس على طول المواجهة والاستيلاء على منطقة الشاطئ الشرقي للقناة، مع استمرار القتال بنجاح، إلى جانب تنفيذ القوات البحرية مهامها ضد أهداف العدو على الساحل الشمالي لسيناء.

وفي البيان رقم 8، أعلنت القيادة تصدي القوات المصرية لهجمات مضادة بالدبابات والمشاة الميكانيكية، مؤكدة صد جميع الهجمات وتكبيد العدو خسائر كبيرة، مع استمرار تمسك القوات المصرية بمواقعها شرق القناة.
وجاء البيان رقم 9 الصادر في 7 أكتوبر 1973 ليقدم مجمل قتال يوم السادس من أكتوبر، موضحًا أن القوات المصرية شنت هجومًا شاملًا على طول جبهة القتال واقتحمت قناة السويس تحت ستر قذف الطائرات والمدفعية وبمساندة القوات البحرية والدفاع الجوي، ونجحت في عبور القناة والاستيلاء على معظم الشاطئ الشرقي.
كما أشار البيان إلى استمرار المعارك خلال ليلة 6 و7 أكتوبر وصد الهجمات المضادة للعدو، فضلًا عن قيام القوات البحرية بمهام قتالية وقصف بعض المناطق المعادية.
وفي البيان رقم 19 الصادر في 9 أكتوبر 1973، أعلنت القيادة إتمام الاستيلاء على الشاطئ الشرقي لقناة السويس بالكامل، وتقدم التشكيلات المصرية داخل سيناء، حيث وصلت إلى مسافة 15 كيلومترًا داخلها، مع تدمير مواقع للعدو وتكبيده خسائر في الأفراد والمعدات.
أما البيان رقم 20، فأعلن أن القوات المصرية، بالتعاون مع تشكيل من القوات الجوية، تمكنت من تدمير اللواء 190 المدرع المعادي وأسر قائده العقيد عساف ياجوري.
وبعد إيقاف إطلاق النار صباحًا، حاول العدو قطع الطرق المؤدية إلى مدينة السويس، إلا أن القوات المصرية منعته من تنفيذ أهدافه، فيما استمر التموين إلى القوات المصرية شرق القناة بصورة منتظمة.
وفي البيان رقم 59 الصادر في 24 أكتوبر 1973، أعلنت القيادة استمرار انتهاكات العدو لوقف إطلاق النار، مشيرة إلى هجمات جوية مكثفة ومحاولة تحريك مجموعات من الدبابات في اتجاه مدينة السويس، حيث تصدت لها قوات المدينة ودمرت عددًا من الدبابات.
وفي البيان رقم 62 الصادر في 25 أكتوبر 1973، أعلنت القيادة استمرار انتهاكات العدو لقراري وقف إطلاق النار الصادرين عن مجلس الأمن يومي 22 و23 أكتوبر، مشيرة إلى محاولة ثانية لاقتحام مدينة السويس باستخدام أعداد كبيرة من الدبابات والطائرات والمدفعية بعيدة المدى، إلا أن القوات المسلحة وقوات المقاومة الشعبية تصدت للهجوم ودمرت دبابات معادية ومنعت العدو من تحقيق أهدافه.
كما رصدت وسائل الدفاع الجوي اختراقات لطائرات استطلاع أمريكية، وفق ما ورد في البيان.
وفي سياق الحديث عن التعامل مع الأسرى، يؤكد النص أن القانون الإنساني واتفاقيات جنيف، وكذلك الدين الإسلامي، يحثون على احترام التعامل الإنساني بعد انتهاء المعارك.
ومن بين الأبطال الذين ارتبطت أسماؤهم بأحداث الحرب البطل عبد المنعم واصل، الذي تم تعيينه مساعدًا لوزير الحربية في شهر ديسمبر عام 1973. وأثناء عبور القوات الرئيسية لقناة السويس، واجهت القوات صعوبات كبيرة في إنشاء كباري الجيش الثالث الميداني، فوقف واصل بين رجال المهندسين العسكريين يحثهم على سرعة الانتهاء، ثم أمر بعبور الفرقة 19 على كباري ومعدات الفرقة السابعة، ولم يترك الضفة الغربية لقناة السويس حتى أقيمت جميع الكباري وعبرت القوات.
العقيد مصطفى عبد المنعم الكردي.. بطولة من حرب الاستنزاف إلى أكتوبر
كان العقيد مصطفى عبد المنعم الكردي من أبطال حرب الاستنزاف وأكتوبر، ومن رجال سلاح المدفعية، وقد كُلف بتنفيذ عملية لتدمير وإبادة معسكر تدريب للعدو على مسافة 19 كيلومترًا من خط القناة بمنطقة السويس.
وكان المعسكر شديد التحصين ويصعب تدميره، ولذلك كُلفت وحدة من كتيبة الصواريخ طراز BM21 بالمهمة، وكان الكردي يعمل ضمن قواتها قائدًا لسرية الصواريخ.
وكلفه قائد الكتيبة بقيادة العملية وتجهيز الموقع لإطلاق الصواريخ، والذي كان يبعد نحو كيلومترين من خط القناة في منطقة تسمى المثلث بمدينة السويس.
وجرى تجهيز 8 عربات تعمل كقواعد لإطلاق الصواريخ، وبكل عربة 40 صاروخًا يمكن إطلاقها خلال 20 ثانية.
وفي اليوم المحدد للعملية، 19 يوليو 1970، تم تحريك العربات من وصلة العين السخنة بطريق السويس، والتي تبعد نحو 40 كيلومترًا عن خط القناة، بعد إخلاء طريق السويس بالكامل بواسطة الشرطة العسكرية.
واحتلت عربات الصواريخ الموقع المحدد في تمام الساعة الثامنة والنصف مساءً، بينما اعتلى قائد الكتيبة فنطاس مياه على حافة قناة السويس لمراقبة دقة النيران على الهدف.

وجاء أمر الضرب من القيادة العليا في لحظة غاب فيها الطيران الليلي للعدو، وذلك في تمام الساعة التاسعة والنصف مساءً.
وأطلقت القوات 320 صاروخًا في زمن قدره عشرون ثانية على الموقع المحدد للعدو. وأفاد قائد الكتيبة بإصابة المعسكر بالكامل واشتعال النيران به، وذلك من خلال أجهزة الرؤية الليلية.
وفي اليوم التالي، كُلفت وحدة استطلاع بعبور القناة لاستطلاع الموقع والتأكد من تدمير المعسكر بالكامل، وأفادت المعلومات بأن الضربة كان لها تأثير معنوي وعسكري على القوات الإسرائيلية، التي تفاجأت بهذا السلاح الحديث ذي الدقة العالية والقوة التدميرية الكبيرة.
وهكذا، لم يكن نصر أكتوبر مجرد انتصار عسكري عابر، بل كان نتاج سنوات من الإعداد والصبر والتخطيط والتضحيات، كما كان شاهدًا على بطولات آلاف الجنود والضباط الذين وضعوا الوطن فوق كل اعتبار.
لقد أعاد النصر الثقة للشعب المصري في نفسه وفي جيشه، وأثبت أن الإرادة يمكن أن تتغلب على الصعاب، وأن الصبر والعمل الجماعي قادران على تغيير مسار التاريخ.
في العاشر من رمضان، لم يعبر الجنود قناة السويس فقط، بل عبروا بمصر من زمن الهزيمة إلى زمن الكرامة. صنعوا ملحمة ستبقى في ذاكرة الوطن، ودروسًا تتعلمها الأجيال عن معنى التضحية والولاء والانتماء.
وانتصارات أكتوبر ليست ذكرى عابرة، بل مدرسة في الوطنية والإيمان والعمل الجماعي. إنها رسالة لكل جيل جديد بأن الوطن يُحمى بسواعد أبنائه، وأن الأبطال لا يسعون إلى المجد، بل يؤدون واجبهم، فيصنعون التاريخ.



