د. نادر الصيرفي يقدم في «قضيتي» أسرار قرن من تشريعات الأسرة المسيحية

كتبت هدى العيسوى
ليست كل الأسماء تصنع مدرسة قانونية، وليست كل المرافعات تتحول إلى مشروع فكري يمتد أثره لعقود. لكن تجربة الدكتور نادر الصيرفي في مجال الأحوال الشخصية للمسيحيين تمثل واحدة من التجارب النادرة التي تجاوزت حدود العمل المهني التقليدي، لتؤسس اتجاهًا فقهيًا وقانونيًا متكاملًا أعاد صياغة النظر إلى هذا الملف في مصر.
فعلى مدار سنوات طويلة، نجح الصيرفي في نقل الأحوال الشخصية للمسيحيين من دائرة القضايا المتخصصة الضيقة إلى قلب النقاش التشريعي والقضائي والإعلامي، حتى أصبح اسمه حاضرًا بقوة كلما طُرحت قضايا الزواج والطلاق وبطلان الزواج والتفريق والنفقة والحضانة ومشروعات القوانين المنظمة للأسرة المسيحية.
ولم تقتصر مساهمته على ساحات المحاكم، بل امتدت إلى بناء مدرسة قانونية متكاملة تقوم على التأصيل التاريخي للتشريع، والربط بين النصوص الكنسية والقانون المدني والدستور والقضاء والقانون المقارن والقانون الدولي الخاص، في رؤية نادرة جمعت بين العمق الأكاديمي والخبرة العملية.
وفي امتداد طبيعي لهذه المسيرة، يبدأ الدكتور نادر الصيرفي تقديم برنامج “قضيتي” على قناة الشمس 2 كل يوم خميس في تمام الساعة الحادية عشرة والنصف صباحًا ولمدة ثلاثة أشهر، ليفتح من خلاله واحدًا من أهم الملفات القانونية المطروحة على الساحة المصرية اليوم: مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين.
من تاريخ التشريع إلى مستقبل القانون
لا يقرأ الصيرفي مشروع القانون الجديد باعتباره مجرد نصوص تنتظر الإقرار، بل باعتباره حلقة أخيرة في رحلة تشريعية ممتدة لأكثر من قرن. ولذلك تتبع مدرسته القانونية الجذور الأولى للتشريع منذ مشروع الأسرة المسيحية الذي قُدم إلى وزارة الحقانية عام 1896، مرورًا بقانون إلغاء المحاكم الملية وتوحيد القضاء رقم 462 لسنة 1955، وصولًا إلى مشروع القانون الحالي المستند إلى المادة الثالثة من دستور 2014.
ومن هنا جاءت خصوصية هذه المدرسة؛ فهي لا تفسر النصوص فحسب، بل تفسر تاريخ النصوص وأسباب وجودها والظروف التي صنعتها.
المعادلة القانونية الأصعب
لعل الإنجاز الأبرز في مدرسة نادر الصيرفي القانونية يتمثل في نجاحها في كسر العزلة التقليدية لقانون الأحوال الشخصية للمسيحيين وربطه بمنظومة قانونية متكاملة تضم:
الفقه المقارن والأحوال الشخصية للمسلمين.
المبادئ الدستورية الحاكمة للحقوق والحريات.
قانون المرافعات والإجراءات القضائية.
القانون الدولي الخاص.
الآثار الجنائية المترتبة على المنازعات الأسرية.
وهو ما أتاح تقديم حلول قانونية جديدة لكثير من الإشكاليات التي ظلت محل جدل لعقود طويلة.
مرجع للمشرع والقضاء
ومع تراكم الأبحاث والدراسات والمرافعات والكتابات القانونية، تحولت أفكار هذه المدرسة إلى مرجع مهم للباحثين والمحامين والقضاة والمهتمين بالشأن التشريعي، خاصة في ظل الجدل المتواصل حول مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين.
ومن ثم فإن حلقات برنامج “قضيتي” لا تمثل مجرد برنامج تلفزيوني، بل توثيقًا لمسيرة فكرية وقانونية امتدت لسنوات طويلة، ونافذة حوار يمكن أن تسهم في إثراء النقاش التشريعي حول مستقبل الأسرة المسيحية في مصر.
ويبقى الثابت أن أي قراءة جادة لتطور ملف الأحوال الشخصية للمسيحيين خلال العقود الأخيرة لا يمكن أن تتجاهل الدور الذي لعبه الدكتور نادر الصيرفي في إعادة تشكيل هذا الملف فقهيًا وتشريعيًا وقضائيًا، حتى أصبح أحد أكثر الأصوات القانونية ارتباطًا به في مصر.



