سياسة وأحزابأهم الاخبار

تغليظ العقوبة و حقوق الإنسان.. معركة لا تنتهي

بقلم: مراد عبد السلام – المحامي بالنقض | كلما اهتز المجتمع على وقع جريمة بشعة، ارتفعت الأصوات مطالبةً بتغليظ العقوبات، وكأن الحل يكمن دائماً في إضافة سنوات جديدة إلى مدة السجن أو توسيع دائرة التجريم. وفي المقابل، تظهر منظمات حقوق الإنسان محذرة من المساس بالضمانات القانونية أو الانجراف نحو العقوبات المبالغ فيها.

وهنا ينشأ السؤال المزعج: لمن تنحاز العدالة؟

أنصار تغليظ العقوبات يرون أن الحديث عن حقوق الإنسان يصبح رفاهية عندما يكون الضحية قد فقد حياته أو ماله أو أمنه. ويتساءلون: أين كانت هذه الحقوق عندما سقط الضحايا؟ ولماذا ينشغل البعض بحقوق الجاني أكثر من انشغالهم بحقوق المجني عليه؟

أما المدافعون عن حقوق الإنسان فيرون أن أخطر لحظة في حياة أي مجتمع هي تلك اللحظة التي تدفعه فيها الصدمة والغضب إلى التضحية بضمانات العدالة. فالقانون وُضع أصلاً ليمنع الانتقام الجماعي، ولضمان أن تكون العقوبة عادلة ومتناسبة، لا مجرد استجابة لرغبة المجتمع في التشفي.

المفارقة أن الطرفين يرفعان شعار العدالة، لكن كلاً منهما ينظر إليها من زاوية مختلفة. الأول يراها حماية للمجتمع وردعاً للمجرمين، والثاني يراها حماية للإنسان من تعسف السلطة أو أخطاء العدالة.

والحقيقة التي لا يحب كثيرون سماعها أن العقوبات الأشد ليست دائماً العقوبات الأنجح. فهناك دول شددت العقوبات ولم تتراجع فيها الجريمة بالصورة المتوقعة، لأن المشكلة لم تكن في نص القانون، بل في بطء الإجراءات، وضعف تنفيذ الأحكام، وقصور آليات الكشف عن الجرائم.

كما أن الحديث المستمر عن تشديد العقوبة يثير سؤالاً آخر: هل نعالج أسباب الجريمة أم نكتفي بملاحقة نتائجها؟ فالفقر، والجهل، والتفكك الأسري، وتعاطي المخدرات، كلها عوامل لا تعالجها نصوص العقوبات مهما بلغت شدتها.

لكن في المقابل، فإن المبالغة في الخطاب الحقوقي قد تخلق شعوراً عاماً بأن حقوق المتهم أصبحت أقوى من حقوق الضحية، وهو شعور خطير يهز ثقة الناس في العدالة ويدفعهم للمطالبة بمزيد من التشدد.

لذلك يبقى الصراع قائماً: المجتمع يطالب بالأمن، والحقوقيون يطالبون بالضمانات، والدولة تقف بينهما محاولة تحقيق التوازن.

غير أن العدالة لا تنتصر لهذا الطرف أو ذاك، بل تنتصر حين يشعر الضحية أن حقه عاد، ويشعر المتهم أن محاكمته كانت عادلة، ويشعر المجتمع أن القانون يحميه دون أن يتحول إلى أداة قسوة أو انتقام.

فالمشكلة ليست في أن تكون العقوبة أشد أو أخف، بل في أن تكون عادلة، سريعة، وحاسمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى