رأي وتحليل

العدل أساس الملك.. بين الشعار والواقع

بقلم: مراد عبد السلام – المحامي بالنقض | العدل أساس الملك عبارة خالدة تتصدر قاعات المحاكم وتُعد من أسمى المبادئ التي قامت عليها الدول والمجتمعات عبر التاريخ، لكن يبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل يكفي أن تُكتب هذه العبارة على الجدران، أم أن قيمتها الحقيقية تكمن في تجسيدها على أرض الواقع؟

كل يوم يلجأ آلاف المواطنين إلى ساحات القضاء بحثًا عن حق ضاع، أو ظلم وقع، أو نزاع يحتاج إلى حسم. يدخلون وهم يحملون يقينًا بأن الحق معهم، وأن الحقيقة وحدها كافية لإنصافهم. غير أن الواقع العملي يكشف أن الطريق إلى العدالة ليس دائمًا بالبساطة التي يتصورها البعض.

فالحقوق لا تضيع دائمًا لأن أصحابها لا يملكونها، بل قد تضيع بسبب بطء إجراءات التقاضي، أو بسبب خطأ في إدارة الخصومة، أو إغفال مستند جوهري، أو عدم إبداء دفع قانوني في الوقت المناسب. وقد يكون السبب أحيانًا قصورًا في عرض الدفاع، أو سوء تقدير لموقف قانوني، أو خطأ مهني من أحد أطراف العملية القضائية.

والحقيقة التي لا ينبغي تجاهلها أن القاضي، رغم ما يتحمله من مسؤولية عظيمة، يظل بشرًا يجتهد ويصيب ويخطئ. ولذلك لم يعرف القانون درجات التقاضي المختلفة وطرق الطعن عبثًا، بل أوجدها إيمانًا بأن العدالة البشرية ليست معصومة من الخطأ، وأن مراجعة الأحكام وتصحيحها جزء أصيل من تحقيق العدالة نفسها.

غير أن المشكلة لا تكمن فقط في وقوع الخطأ، فكل عمل بشري معرض له، وإنما في مدى سرعة اكتشاف هذا الخطأ وتصحيحه. فالحكم الذي يُصحح بعد سنوات طويلة قد يكون قد جاء بعد أن استنزف صاحبه وقتًا وجهدًا ومالًا وأعصابًا. وهنا يثور التساؤل المشروع: هل العدالة المتأخرة تحقق الغاية ذاتها التي تحققها العدالة الناجزة؟

إن قوة منظومة العدالة لا تُقاس بعدم وقوع الأخطاء فيها، وإنما بقدرتها على معالجتها، وبمدى كفاءتها في إيصال الحقوق إلى أصحابها في الوقت المناسب، وبالقدر الذي يشعر معه المواطن أن القانون يحميه بالفعل لا مجرد نظريًا.

لذلك فإن “العدل أساس الملك” يجب ألا تبقى مجرد عبارة نرددها أو نقرأها، بل هدفًا دائمًا تسعى إليه جميع عناصر منظومة العدالة؛ المشرع، والقاضي، والمحامي، والخصوم، وكل من يشارك في صناعة القرار القانوني.

وفي النهاية، تبقى نصيحتي لكل صاحب حق: لا تعتمد فقط على اقتناعك بأن الحق معك، بل احرص على إثباته بالطريق القانوني الصحيح. احتفظ بمستنداتك، وتمسك بحقوقك، ولا تتهاون في الإجراءات، لأن المحاكم لا تحكم بما نعتقده نحن، وإنما بما يثبت أمامها من وقائع وأدلة.

فالحق وحده لا يكفي… ما لم تُحسن الدفاع عنه وإثباته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى