من طهران وموسكو إلى غزة.. تصعيد يتجاوز حدود الأزمات
بقلم الكاتب العراقي محمد الماس : ما يجري ليس تصعيدًا عابرًا، ولا تراكمًا عشوائيًا للأزمات؛ فالعالم يعيد تموضعه على حافة مواجهة كبرى تتقاطع فيها طهران وموسكو وواشنطن وغزة وهرمز ضمن مسرح واحد تتغير فوقه قواعد الاشتباك. وما يبدو جبهاتٍ متفرقة قد يكون، في حقيقته، ملامح صراع واحد يتشكل بصمت قبل أن يعلن عن نفسه بصوت الحرب.
تشهد الساحة الدولية تحولًا استراتيجيًا متسارعًا تتداخل فيه المسارات العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية ضمن بيئة دولية تزداد فيها احتمالات المواجهة واسعة النطاق. ففي قلب هذا المشهد، تتحرك طهران نحو تحول جوهري في عقيدتها العسكرية، من الدفاع إلى الهجوم المباشر، في رسالة موجهة إلى الإدارة الأمريكية قبيل السابع عشر من أغسطس، موعد انتهاء مذكرة التفاهم النافذة. ويعكس هذا التحول استعدادًا إيرانيًا مرتفعًا لخوض مواجهة عسكرية إذا أخفقت الدبلوماسية في نزع فتيل الأزمة واحتواء تداعياتها.
ويتقاطع التصعيد الإيراني مع موقف روسي أكثر صرامة تجاه واشنطن وحلف الناتو، عقب إخفاق الحصار الاقتصادي البحري المفروض على الساحل الأوروبي، ومع انتقال استراتيجية التطويق الغربية نحو آسيا والمحيطين الهندي والهادئ. وقد رفض الرئيس فلاديمير بوتين، خلال زيارته الأخيرة للجزر المتنازع عليها، مساعي واشنطن لبناء أحلاف عسكرية ضيقة مع الفلبين وإندونيسيا وتايلاند وكمبوديا، بهدف تقييد حركة أسطول الظل الروسي واعتراض ناقلات المواد الخام الاستراتيجية اللازمة للمجمعات الصناعية العسكرية.
وتكتسب هذه التطورات دلالة إضافية مع تعليق واشنطن شحنات الأسلحة الموجهة إلى تايوان حفاظًا على مخزونها الاستراتيجي من الذخائر، تحسبًا لاحتمال اندلاع مواجهة مع إيران. ويكشف ذلك عن تصور عسكري جديد تتولى خلاله الدول الحليفة في آسيا والشرق الأوسط إدارة حروب الاستنزاف الميدانية بعد توجيه الضربات الاستهلالية الأولى إلى الخصم.
وفي ميزان القوة الصناعية، تسجل روسيا تفوقًا ملحوظًا بقدرة إنتاجية تصل إلى مئة وعشرين صاروخًا نوعيًا شهريًا، مقابل ستين صاروخ «باتريوت» تنتجها الولايات المتحدة. وقد دفع هذا الفارق التحالف الغربي إلى التفكير في استهداف خطوط إمداد المواد الخام في القارة الآسيوية، وهو مسار اعتبره بوتين خطًا أحمر ينذر بتوسيع الحرب نحو جنوب آسيا.
وتتزامن هذه التطورات مع مقترح ألماني لتنفيذ هجمات سيبرانية ضد المصانع الروسية المنتجة للطائرات المسيّرة، وسط تحذير تركي من دفع موسكو نحو اللجوء إلى السلاح النووي.
أما في الشرق الأوسط، فتتشابك هذه المسارات مع إحكام إيران قبضتها على مضيق هرمز، ورفض الحكومة اليمنية أي اتفاق مع الحوثيين، وتمسكها باحتكار الدولة للسلاح والسيادة. ويتزامن ذلك مع تدشين ممر بري يربط سلطنة عُمان بالسعودية لتحويل حركة التجارة نحو الموانئ السعودية على البحر الأحمر وصولًا إلى قناة السويس.
وفي المقابل، تواصل إسرائيل تحركاتها العسكرية عبر نقل آلياتها إلى غزة، ودفع مشاريعها التوسعية في الضفة الغربية وغزة وجنوب سوريا ولبنان، رغم التحذيرات الأمريكية والمساعي التركية. وفي هذه البيئة، تبرز تركيا عبر تنسيق أمني وعسكري وثيق مع السعودية، وجولات دبلوماسية تشمل فلسطين ومصر وليبيا. ويكشف تزامن هذه المسارات عن منظومة صراع مترابطة تتجاوز حدود الملفات المنفردة، وتدفع الشرق الأوسط نحو مرحلة شديدة الخطورة قد تعيد تشكيل موازين القوة، وتفتح المجال أمام اتساع رقعة المواجهة على المستوى الدولي.


