تكنولوجيا
أخر الأخبار

سنوات عُمان.. كيف انتقل حيدر إبراهيم من هندسة البرمجيات إلى إدارة التقنية والحلول الرقمية؟

 

 

كتبت هدى العيسوى

 

عندما ينتقل مهندس البرمجيات من البيئة الأكاديمية إلى سوق العمل، يكتشف أن المشكلات التقنية في المؤسسات لا تصل إليه عادة في صورة سؤال برمجي واضح. قد تبدأ المشكلة بتأخر في الإجراءات، أو صعوبة في إدارة المعلومات، أو حاجة إلى حماية البيانات، أو خدمة تحتاج المؤسسة إلى تقديمها بصورة أسرع، أو إدارة تبحث عن طريقة أفضل لربط أقسامها وعملياتها. هذه البيئة كانت جزءًا أساسيًا من المرحلة المهنية التي عاشها المهندس حيدر إبراهيم أحمد بخيت خلال وجوده في سلطنة عُمان.

 

بعد بداياته في السودان وتجربته في البرمجيات والتحول الرقمي والبحث العلمي، انتقل حيدر إلى بيئة مهنية أكثر تنوعًا، وأصبح العمل التقني بالنسبة إليه مرتبطًا بصورة أكبر باحتياجات الشركات والعمليات والإدارة. ومن بين المناصب التي شغلها في عُمان عمله مديرًا لتقنية المعلومات في مؤسسة تعمل في بيئة مرتبطة بقطاعات الطاقة والهندسة.

 

هذا الدور وضع أمامه مسؤوليات تتجاوز تطوير البرامج بالمعنى التقليدي. فقد شملت مهامه إدارة البنية التحتية لتقنية المعلومات والمنصات الرقمية والعمليات التقنية، إضافة إلى تطبيق سياسات أمن المعلومات وإدارة صلاحيات الوصول وتدريب الموظفين على الأنظمة والممارسات التقنية.

 

وامتدت المسؤوليات كذلك إلى التنسيق حول ميزانيات تقنية المعلومات والنفقات التشغيلية والمشتريات والموردين وتراخيص البرمجيات والأجهزة. وهذا النوع من المسؤولية يكشف الفارق بين العمل التقني البحت وإدارة التقنية داخل مؤسسة. فالقرار الذي يبدو في ظاهره متعلقًا بنظام أو جهاز قد يكون في الحقيقة قرارًا ماليًا وتشغيليًا وأمنيًا في الوقت نفسه.

 

اختيار منصة جديدة، مثلًا، لا يعتمد فقط على مواصفاتها. هناك أسئلة عن التكلفة، وقابلية التوسع، ومدى توافقها مع الأنظمة الموجودة، وسهولة تدريب الموظفين عليها، ومخاطر الاعتماد على مورد واحد، ومستوى الحماية الذي توفره. لذلك يحتاج مدير التقنية إلى لغة مشتركة مع الإدارة المالية والموارد البشرية والإدارة التنفيذية، وليس مع الفريق التقني وحده.

 

هذه المرحلة ساهمت في نقل حيدر من التفكير بوصفه مطورًا أو مهندسًا ينفذ الحل إلى التفكير في دورة حياة التقنية كاملة داخل المؤسسة. فالمنظومة تبدأ من الاحتياج، ثم الميزانية والاختيار والتطبيق والحماية، وتنتهي بالتشغيل والدعم والتدريب.

 

لاحقًا، اتسعت تجربته باتجاه هندسة الحلول والاستشارات البرمجية. عمل عن بُعد مستشارًا في Software Engineering & Solutions مع جهة استشارية تقنية أسترالية، في دور ارتبط بتقديم مشروعات للعملاء في عُمان ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

 

هنا أصبحت المهمة أكثر قربًا من العميل. فقد تضمنت مسؤولياته فهم احتياجات المؤسسات وتحويلها إلى بنى وحلول تقنية، ثم اختبار الأنظمة الجديدة وتكاملها وضمان جودتها قبل النشر، إلى جانب دعم بعض مكونات البنية التحتية وتقديم التدريب لفرق المستخدمين بعد تطبيق الحلول.

 

هذا النوع من العمل يضع المهندس في منطقة وسطى بين طرفين: فريق التقنية من جهة، وصاحب المشكلة من جهة أخرى. العميل قد يقول إنه يريد «نظامًا أسرع» أو «طريقة أفضل لإدارة العمل»، بينما على المهندس أن يحول هذه العبارات العامة إلى متطلبات واضحة يمكن تصميمها وقياسها واختبارها.

 

وفي كثير من الأحيان، لا يكون أفضل حل تقني هو الحل الأكثر تعقيدًا، بل الحل الذي يتوافق مع واقع المؤسسة وإمكاناتها وموظفيها. وهذه إحدى المهارات التي تصنعها الاستشارات: القدرة على الموازنة بين الطموح التقني والواقع التشغيلي.

 

وخلال وجوده في عُمان، امتدت تجربة حيدر أيضًا إلى مجال التطوير والنمو الرقمي في بيئة مرتبطة بالتدريب والشهادات المهنية للمهندسين العاملين في قطاعات النفط والغاز. عمل في SIT Centre في مجال Digital Growth & Marketing Strategy، وارتبط دوره بمسارات التسجيل والتسويق الرقمي والتحليلات وأنظمة إدارة علاقات العملاء لخدمات شهادات هندسية مهنية معتمدة.

 

وهنا لم يعد اهتمامه مقتصرًا على ما يحدث داخل التطبيق أو الخادم، وإنما امتد إلى رحلة المستخدم نفسها: كيف يصل الشخص إلى الخدمة؟ كيف يتم قياس اهتمامه؟ أين يتوقف في رحلة التسجيل؟ وما البيانات التي يمكن استخدامها لتحسين التجربة؟ هذا التقاطع بين التقنية والتسويق والنمو ساهم في توسيع فهمه للعلاقة بين النظام والسوق.

 

ومن التجارب التي يضعها حيدر ضمن المحطات المهمة في سنواته العُمانية مشاركته التقنية في مشروع مرتبط بانتخابات مجلس الشورى لعام 2023. وتمثل المشروعات الوطنية الرقمية بيئة مختلفة عن التطبيقات التجارية المعتادة، لأنها تضع فرق العمل أمام متطلبات كبيرة تتعلق بالاستقرار والأمان ودقة البيانات والقدرة على التعامل مع استخدام كثيف خلال فترة محدودة.

 

بالنسبة لمسيرته، أضافت هذه التجربة بعدًا جديدًا إلى خبرة بدأت أصلًا من التحول الرقمي داخل المؤسسات. فهي قربته من مفهوم الأنظمة ذات الحساسية العالية، التي لا يكون فيها التوقف أو الخطأ مجرد مشكلة تشغيلية عادية، بل حدثًا له أثر أوسع.

 

ولم تكن سنوات عُمان تقنية فقط. ففي عام 2023 شارك في نشاط ضمن وفد تجاري واستثماري بين سلطنة عُمان والولايات المتحدة، وهي تجربة أتاحت له الاقتراب من بيئة تجمع الأعمال والاستثمار والعلاقات التجارية الدولية. وتكمن قيمة المشاركة في توسيع الرؤية المهنية، لا في نسب نتائج الوفد إلى فرد بعينه.

 

هذا الاحتكاك بين التكنولوجيا والأعمال ساعد في تفسير انتقاله لاحقًا إلى أدوار تنفيذية وريادية. فمع الوقت أصبحت خبرته لا تتعلق ببناء النظام فقط، بل بالسؤال عن القيمة التي يضيفها للعمل، وطريقة دمجه في العمليات، والعائد المتوقع منه، وكيفية إدارة الفريق الذي ينفذه.

 

سنوات عُمان، بهذا المعنى، كانت مرحلة اتساع. بدأت بخبرة هندسية، ثم أضافت إليها إدارة تقنية المعلومات والاستشارات والعمليات والنمو الرقمي والتعامل مع البيئة التجارية. وفي كل مرحلة كانت هناك مهارة جديدة تتشكل فوق ما سبقها.

 

لقد بدأت الرحلة بسؤال: كيف نبني الحل التقني؟ ثم أصبحت الأسئلة أكبر: كيف نجعل هذا الحل يعمل داخل المؤسسة؟ كيف نحميه؟ كيف نقيس أثره؟ وكيف نربطه بهدف تجاري أو تشغيلي حقيقي؟

 

وهذه الأسئلة هي التي تفصل في كثير من الأحيان بين المبرمج الذي يستطيع بناء تطبيق، والمهندس أو المستشار الذي يستطيع فهم البيئة التي سيعمل فيها التطبيق. وبالنسبة لحيدر إبراهيم، كانت سلطنة عُمان المحطة التي اتسعت فيها التجربة من كتابة الحل إلى فهم المنظومة التي تحتاج إليه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى