رأي وتحليل

في غياب المحليات.. من يقرأ دفتر أحوال المواطن في مصر؟

أيمن صالح

يمثل “دفتر أحوال المواطن” المصري اليوم سجلاً زاخراً بالآمال العريضة والتحديات اليومية التي تبحث عن صدى حقيقي تحت قبة البرلمان.

فبينما تسعى الدولة المصرية لبناء جمهوريتها الجديدة، يظل التساؤل الجوهري قائماً: كيف تتحول هموم المواطن البسيط من مجرد شكاوى في مقاهي القرى وأزقة المدن إلى تشريعات وسياسات ملموسة؟ إن فهم طبيعة العمل البرلماني في غرفتي “النواب” و”الشيوخ” هو الخطوة الأولى لضبط إيقاع العلاقة بين المواطن، وممثله، والسلطة التنفيذية.

تكامل الأدوار بين مجلسي النواب والشيوخ في دفتر أحوال المواطن

منذ عودة نظام الغرفتين التشريعيتين، أصبح لكل مجلس دور محدد يكمل الآخر. مجلس النواب هو صاحب السلطة التشريعية والرقابية الأصيلة؛ فهو الذي يقر القوانين، ويراقب أداء الحكومة، ويمارس أدواته الرقابية من طلبات إحاطة واستجوابات، إنه “صوت الشارع” الذي يملك سلطة سحب الثقة وتعديل الموازنة العامة.

أما مجلس الشيوخ، فهو “بيت الخبرة” والعقل الاستراتيجي للدولة، يتمثل دوره في دراسة واقتراح ما يراه كفيلاً بتوطيد دعائم الديمقراطية، وحماية الحقوق والحريات، وتوسيع دعائم النظام الديمقراطي.

في غياب المحليات.. من يقرأ دفتر أحوال المواطن في مصر؟
في غياب المحليات.. من يقرأ دفتر أحوال المواطن في مصر؟

وبينما ينشغل النائب في “النواب” بمواجهة الحكومة، ينكب عضو “الشيوخ” على رسم السياسات العامة وتقديم المشورة الفنية المعمقة، مما يضمن أن التشريعات لا تخرج فقط استجابة لضغط لحظي، بل ضمن رؤية استراتيجية بعيدة المدى.

الفجوة بين اهتمامات النائب وهموم الشارع في دفتر أحوال المواطن

هنا تكمن المعضلة الكبرى؛ فالمواطن المصري غالباً ما يخلط بين دور “النائب التشريعي” ودور “النائب الخدمي”.

بالنسبة للمواطن، النائب الناجح هو من يوفر وظائف لأبناء الدائرة، ويسهل استخراج التراخيص، ويسرع عمليات رصف الطرق المحلية.

هذه “طلبات الشارع” هي في الحقيقة مهام أصيلة للمحليات (المجالس الشعبية المحلية)، ولكن في ظل غيابها، وجد النائب نفسه غارقاً في العمل الخدمي الصرف.

في المقابل، تتمثل “اهتمامات النائب” المثالية في صياغة قوانين تحمي الملكية، وتخفض الضرائب، وتطور منظومة التعليم والصحة بشكل شامل.

الفجوة تحدث عندما يضطر النائب لمقايضة دوره الرقابي القوي بتسهيلات خدمية من الوزراء لتلبية احتياجات دائرته.

هذا الخلط يؤدي إلى إضعاف الدور الرقابي للبرلمان، حيث يصبح النائب “وسيطاً” بدلاً من أن يكون “رقيباً”، وتتحول قضايا السياسة الكلية إلى قضايا جزئية ضيقة.

الدستور والعلاقة المنضبطة بين البرلمان والوزراء في دفتر أحوال المواطن

لقد رسم الدستور المصري لعام 2014 وتعديلاته حدوداً واضحة للعلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، تقوم على مبدأ “الفصل مع التعاون”. فالدستور في مواده (من 101 إلى 160) منح البرلمان أدوات رقابية متدرجة تبدأ بـ السؤال، ثم طلب الإحاطة، وصولاً إلى الاستجواب الذي قد يؤدي لسحب الثقة من الوزير أو الحكومة برمتها.

العلاقة المنضبطة التي ينشدها الدستور ليست علاقة تصادمية دائمًا، وليست تبعية مطلقًا. إنها علاقة تقوم على المساءلة؛ فالوزير مسؤول أمام البرلمان عن تنفيذ برنامج الحكومة الذي نال بموجبه ثقة المجلس. والدستور يؤكد أن السيادة للشعب، والبرلمان هو وكيل الشعب في مراقبة كيفية إنفاق أمواله وإدارة شؤونه.

إن إصلاح “دفتر أحوال المواطن” يتطلب عودة كل طرف لمساحته الأصيلة، فعلى الدولة الإسراع بانتخابات المحليات لتفريغ نائب البرلمان لمهمته التشريعية والرقابية الكبرى.

وعلى النائب أن يدرك أن جودة التشريع هي التي تحل مشاكل الآلاف، بينما “الواسطة” قد تحل مشكلة فرد واحد.

العلاقة السوية بين النائب والوزير يجب أن تحكمها مصلحة الوطن، حيث تكون الرقابة حافزاً للإنجاز وليست عائقاً له، والتشريع مرآة تعكس احتياجات الناس الحقيقية لا مجرد نصوص جامدة.

رسالة إلى النواب من دفتر أحوال ممزق

عزيزي النائب، إن ثقة الشعب أمانة تقتضي منك إدراكاً عميقاً لجوهر دورك.

أولاً، اجعل التشريع سلاحك الأول؛ فالقوانين الجيدة تحل أزمات الآلاف، بينما الخدمات الفردية تنتهي بانتهاء اللحظة.

ثانياً، فعل أدواتك الرقابية بنزاهة؛ فالوزير ليس خصماً بل شريكاً يحتاج لمراقبة تقوّم أداءه وتكشف الخلل.

ثالثاً، لا تنقطع عن نبض الشارع؛ اجعل مكتبك مفتوحاً ليس فقط لتلقي الطلبات، بل لسماع الأوجاع الحقيقية وتحويلها إلى حلول مؤسسية تحت القبة.

رابعاً، ادرس الموازنة العامة بدقة، فهي الأداة التي تضمن عدالة التوزيع وتلبي احتياجات الفقراء.

وأخيراً، تذكر أن الدستور منحك حصانة لحمايتك وأنت تدافع عن الحق، لا لتكن حاجزاً بينك وبين الناس، كن صوت من لا صوت لهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى