رأي وتحليل

التحول إلى الدعم النقدي أهميته واشتراطات نجاحه

تتجه مصر فعليًا نحو التحول إلى منظومة الدعم النقدي، ومن المتوقع أن يتم تقسيم المستفيدين إلى شرائح مختلفة، تبدأ بالأسر الأكثر فقرًا، ثم الشرائح التالية، مع الإبقاء على بعض أشكال الدعم العيني الأساسية، وفي مقدمتها دعم الخبز.

ويتمثل الدعم العيني الحالي الذي تقدمه الدولة المصرية في منظومة لتوزيع سلعتين أساسيتين هما الزيت والسكر بأسعار مدعومة من خلال البطاقات التموينية. ويستفيد من منظومة الدعم التمويني في مصر نحو 63 مليون مواطن.

وتبلغ قيمة الدعم المقدم من الدولة لمنظومتي الخبز والسلع التموينية نحو 160 مليار جنيه في موازنة 2025-2026، فيما خصصت الحكومة المصرية 178.3 مليار جنيه لدعم السلع التموينية والخبز في موازنة العام المالي 2026-2027، بزيادة سنوية تبلغ 11%، ليستحوذ هذا البند وحده على نحو 38% من إجمالي مخصصات الدعم المقدرة بنحو 832 مليار جنيه، ليظل أكبر بنود الدعم في الموازنة الجديدة.

ورغم ذلك، ظلت الحكومات المتعاقبة تشكو من الأعباء الاقتصادية لهذه المنظومة على الموازنة العامة، فضلًا عن التشكيك في مدى وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين.

وقد يبدأ التحول من دعم السلع الأساسية إلى الدعم النقدي المباشر مع بداية العام المالي الجديد في يوليو 2026، من خلال تقديم مساعدات نقدية مباشرة للفئات الأولى بالرعاية. ومن المتوقع أن تتراوح قيمة الدعم النقدي المقترح بين 200 و250 جنيهًا شهريًا للفرد، وهو مبلغ يحتاج إلى إعادة نظر، لا سيما في ظل معدلات التضخم الحالية التي تبلغ نحو 14%.

ويُعد التحول إلى الدعم النقدي تطورًا طبيعيًا وأحد عناصر الإصلاح الاقتصادي، إذ إن أغلب الدول النامية التي نفذت إصلاحات اقتصادية وهيكلية تحولت إلى الدعم النقدي المباشر، مثل تركيا والهند والبرازيل.

ويتميز الدعم النقدي بعدد من المزايا، أبرزها منح المواطن حرية اختيار احتياجاته من السلع دون قيود أو إلزامه بشراء سلع معينة، فضلًا عن الحد من فرص الفساد الناتجة عن وجود أكثر من سعر للسلعة الواحدة.

كما يمثل التحول إلى منظومة الدعم النقدي أهمية كبيرة في تخفيف الأعباء على الموازنة العامة للدولة، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، إلى جانب مساهمته في الحفاظ على قدرة الأسر الأكثر احتياجًا على توفير احتياجاتها الأساسية من السلع والخدمات.

لكن نجاح تجربة الدعم النقدي في مصر يتطلب توافر عدد من الضوابط والإجراءات الحاكمة. ومن أهمها تحديد الفئات المستحقة للدعم بصورة دقيقة، وربط الاستحقاق بالحد الأدنى للأجور ومستويات الدخل، مع التوسع التدريجي في قاعدة المستفيدين وفق معايير واضحة.

كما يصبح من الضروري ربط قيمة الدعم النقدي بمعدلات التضخم، لأن ثبات قيمة الدعم في ظل الارتفاع المستمر للأسعار يؤدي إلى تآكل قيمته الحقيقية. ومن ثم، فإن إنشاء آلية دورية لمراجعة قيمة الدعم كل ثلاثة أو ستة أشهر، وربطها بمستويات أسعار السلع الأساسية، يعد أحد عوامل نجاح التجربة.

كذلك تبرز أهمية تفعيل دور جهاز حماية المستهلك والغرف التجارية في الرقابة على الأسواق ووضع حدود لهوامش الربح، خاصة بالنسبة للسلع الغذائية الأساسية، حتى لا يصبح المواطن فريسة لجشع بعض التجار.

ومن الضروري أيضًا مراعاة البعد الاجتماعي والأسري داخل المجتمع المصري، في ظل ارتفاع معدلات الطلاق والانفصال، بما يفرض تساؤلات مهمة حول الجهة التي ستحصل على الدعم النقدي داخل الأسرة، سواء الأب أو الأم، في حالات الانفصال.

وإذا ما تمت معالجة هذه الإشكاليات بصورة سليمة، فإن ذلك سيسهم بدرجة كبيرة في إنجاح تجربة التحول إلى الدعم النقدي كبديل للدعم العيني.

وفي هذا السياق، يمثل قانون الضمان الاجتماعي الجديد رقم 12 لسنة 2025 إطارًا تشريعيًا متكاملًا لتنظيم نظام الحماية الاجتماعية في المجتمع المصري، حيث يوفر دعمًا نقديًا مشروطًا وغير مشروط للفئات الأكثر احتياجًا، ولكل مواطن لا يتمتع بمظلة تأمين اجتماعي ولا يملك القدرة على إعالة نفسه أو أسرته.

ويعد هذا القانون جزءًا من السياسات الحكومية الرامية إلى تعزيز العدالة الاجتماعية وتحقيق الأمان المعيشي للفئات الأولى بالرعاية، كما يهدف إلى توفير الحماية الاجتماعية والاقتصادية للأفراد والأسر من مخاطر الفقر والبطالة والعجز والشيخوخة.

وتتمثل أبرز أهداف القانون في:

تعزيز الحماية الاجتماعية من خلال ضمان حد أدنى للدخل للفئات الضعيفة وغير القادرة على العمل.
توفير الدعم المالي للأسر الفقيرة وكبار السن والأيتام والأشخاص ذوي الإعاقة والأرامل.
تعزيز الاستقرار الاقتصادي عبر دعم الفئات المتضررة أو غير القادرة على العمل.
توفير الرعاية الصحية للفئات غير القادرة على تحمل تكاليف المعيشة.
تعزيز التكافل الاجتماعي وتحسين جودة حياة الفئات المستحقة وتأمين احتياجاتها الأساسية.
تنشيط الاقتصاد المحلي من خلال زيادة الإنفاق على السلع والخدمات الأساسية.
تقليل الأعباء المالية على الأسر الفقيرة بما يسمح لها بالاستثمار في تعليم أبنائها وتحسين ظروفها المعيشية.
توفير المرونة اللازمة لتقديم الدعم النقدي خلال الأزمات والكوارث والطوارئ الصحية.
شمول العاملين في القطاع غير الرسمي الذين قد يتعرضون لفقدان مصادر دخلهم بصورة مفاجئة.

ومن ثم، فإن نجاح التحول إلى الدعم النقدي لا يرتبط فقط بتوفير الموارد المالية، بل يتطلب منظومة متكاملة من التشريعات والرقابة والتحديث المستمر لقواعد البيانات، بما يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية ووصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين.

د. عبدالمنعم السيد – رئيس مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية و الاستراتيجية

التحول للدعم النقدي أهميته واشتراطات نجاحه
التحول للدعم النقدي أهميته واشتراطات نجاحه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى