اللامبالاة… عندما تغيب القيم ويهتز ميزان الاحترام

إيهاب نجاح جنديه
لم تعد اللامبالاة مجرد سلوك فردي، بل أصبحت ظاهرة مجتمعية تفرض نفسها على تفاصيل حياتنا اليومية، حتى بات كثيرون يتعاملون مع تراجع الأخلاق وكأنه أمر طبيعي لا يستحق التوقف عنده.
ومن أكثر المشاهد إيلامًا، ما نشهده من تراجع ملحوظ في احترام الكبير لدى بعض الشباب.
فبعد أن كان توقير الكبار قيمة راسخة تتوارثها الأجيال، أصبحنا نرى في بعض المواقف تجاوزًا في الحديث، وغلظة في التعامل، واستهانةً بأصحاب الخبرة والعمر، وكأن الاحترام أصبح عادة قديمة لا مكان لها في هذا الزمن.

كان المجتمع المصري، عبر تاريخه، يفتخر بأبنائه الذين ينشأون على الأدب قبل العلم، وعلى حسن الخلق قبل أي شيء آخر.
كان الصغير يُقدر الكبير، ويستمع إليه، ويمنحه المكانة التي يستحقها، ليس خوفًا منه، بل إيمانًا بأن الاحترام خلقٌ أصيل يعكس حسن التربية.
أما اليوم، فقد فرضت سرعة الحياة، وتأثير بعض وسائل التواصل الاجتماعي، وضعف دور القدوة في بعض البيوت، واقعًا جديدًا انعكس على لغة الحوار والسلوك العام.
فأصبحنا نرى ألفاظًا وتصرفات لا تليق بمجتمع عُرف بأصالته واحترامه، حتى بين أفراد الأسرة الواحدة.
ورغم ذلك، فإن الإنصاف يقتضي التأكيد على أن هذا المشهد لا يمثل جميع الشباب.
فما زالت هناك نماذج مشرقة لشباب يتمسكون بالأخلاق، ويحترمون الكبار، ويقدمون صورة مشرفة تؤكد أن القيم لا تموت، وإنما تحتاج إلى من يحافظ عليها.

إن إعادة الاعتبار لقيمة الاحترام مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة، والمسجد، والكنيسة، ووسائل الإعلام، وكل من يشارك في صناعة وعي الأجيال الجديدة، فالأمم لا تُبنى بالعلم وحده، وإنما تُبنى أيضًا بالأخلاق والقيم.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل أصبح الاحترام عملة نادرة في زمن اللامبالاة؟
أم أننا ما زلنا قادرين على استعادة تلك القيم التي صنعت أجمل ما في مجتمعنا؟
إن احترام الكبير ليس مجاملة، بل هو مقياس لتحضر الأمم، وعنوان لتربية الإنسان، ورسالة حضارية يجب ألا نسمح لها بالاندثار.


