خيوط الإخلاء القسري من الضفة الغربية إلى جنوب لبنان
بقلم الكاتب العراقي : محمد الماس | تناقضات عميقة تطبع مسرح الأحداث بين خطاب التهدئة الأمريكي والواقع الدموي للتوسع الاستيطاني وتدمير المدن، لتتجاوز الهجمات حدود العمل العسكري، وتكشف عن نوايا خبيثة لفرض وقائع التهجير القسري، ترسم خريطة الدم والنار على أنقاض الحقوق الفلسطينية واللبنانية، وسط صمت دولي ومظلة دعم لا تزال تموّل الإرهاب وتغذي الصراع.
في خضم التصعيد المتواصل في المنطقة، تبرز تناقضات واضحة في الخطاب الإسرائيلي والأمريكي حول ما يجري في الضفة الغربية وجنوب لبنان وغزة، ويزداد هذا التناقض وضوحًا حين تُقارن التصريحات السياسية بما يجري على الأرض من عمليات عسكرية وحصار وتهجير وتوسيع للمستوطنات.
السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، المعروف بدعمه للمستوطنات، تحدث في مناسبات مختلفة عن الارتباط الديني والتاريخي لليهود بهذه الأرض، وفي الوقت نفسه وصف أعمال عنف يرتكبها بعض المستوطنين ضد الفلسطينيين بأنها «مقززة» و«إرهاب». وهنا تبرز مسألة جوهرية تتعلق بالأساس الذي يمكن من خلاله الفصل بين مشروع التوسع الاستيطاني وبين الأفعال التي تُنفذ على الأرض تحت حماية القوات الإسرائيلية. فإذا كانت أعمال المستوطنين إرهابًا حين تستهدف المدنيين الفلسطينيين، فكيف يمكن تفسير استمرار التوسع الاستيطاني وعمليات فرض الوقائع الجديدة على الأرض في ظل الحماية السياسية والعسكرية الإسرائيلية؟

خلال الأيام الماضية، شهدت قرية فلسطينية في الضفة الغربية إجراءات نُسبت إلى مستوطنين، تضمنت إغلاق مداخل منازل ومنع سكانها من الوصول بصورة طبيعية إلى المواد الأساسية، مثل الغذاء والماء والاحتياجات الضرورية. ووفقًا للروايات المتداولة، فإن الهدف من هذه الممارسات هو الضغط على السكان ودفعهم إلى مغادرة منازلهم. وتزداد خطورة المشهد حين تصبح محاولات إدخال المساعدات والاحتياجات الإنسانية عاجزة عن الوصول إلى المدنيين المحاصرين.
وفي شمال رام الله، ظهرت كذلك مشاهد لا يمكن فصلها عن هذا السياق؛ فقد استخدمت القوات الإسرائيلية الغاز المسيل للدموع في محيط منازل فلسطينية خلال التوترات المرتبطة باعتداءات المستوطنين. وهذا يطرح سؤالًا حول طبيعة العلاقة بين الجيش والمستوطنين. فإسرائيل تسعى، في خطابها الرسمي، إلى تقديم اعتداءات المستوطنين على أنها أعمال فردية لا تمثل سياسة الدولة، لكن وجود القوات الإسرائيلية في الميدان وطبيعة تعاملها مع الفلسطينيين يثيران تساؤلات حول الحدود الفاصلة بين الفعل الفردي وبين منظومة السيطرة التي تسمح باستمرار هذه الوقائع.
وفي جنوب لبنان، يتكرر جانب آخر من المشهد. فمع استمرار الضربات الإسرائيلية وتصاعد العمليات العسكرية، تتحدث إسرائيل عن استهداف قيادات عسكرية ومواقع تابعة لحزب الله، وفي المقابل تتسع الخسائر بين المدنيين وتتعرض مناطق سكنية للدمار. وتقول إسرائيل، في حالات مختلفة، إن المدنيين لا يمثلون هدفًا مباشرًا، وإن سقوطهم جاء نتيجة العمليات العسكرية، غير أن تكرار الضربات وارتفاع عدد الضحايا واستمرار تدمير المنازل والمنشآت يفتح نقاشًا واسعًا حول طبيعة الأهداف الحقيقية للعملية العسكرية، وحول ما إذا كانت الوقائع على الأرض تتجاوز فكرة الرد العسكري المحدود.
وفي الوقت نفسه، تطرح إسرائيل فكرة التفاوض ووقف التصعيد مع لبنان وغزة، وهنا تظهر مفارقة أخرى. فبينما تتحدث الحكومة الإسرائيلية عن المفاوضات والتهدئة، تستمر العمليات العسكرية على الأرض. كما أن الخطاب الإسرائيلي الذي يرى أن وقف الحرب قد يمنح حماس وحزب الله فرصة لإعادة تنظيم صفوفهما، يقدم تفسيرًا لاستمرار العمليات حتى خلال مراحل التفاوض. ومن هنا يصبح التفاوض، بالنسبة إلى كثير من المراقبين، جزءًا من إدارة الصراع وليس بالضرورة مقدمة حقيقية لإنهائه.
أما الولايات المتحدة فتظل العامل الأكثر تأثيرًا في هذا المشهد. فترامب كثيرًا ما يدخل على خط الأزمات الإقليمية بتصريحات تضع السياسة الأمريكية في مركز الحدث. ومن بين الملفات التي برزت في هذا السياق مضيق هرمز وما يرتبط به من مصالح استراتيجية واقتصادية وأمنية للولايات المتحدة.
وتزداد الأسئلة حول الدور الأمريكي حين يوضع الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل إلى جانب الدور الذي تؤديه واشنطن في مفاوضات غزة ولبنان. فإذا كانت الولايات المتحدة هي الحليف الأكثر دعمًا لإسرائيل، وفي الوقت نفسه الوسيط في مفاوضات وقف الحرب، فإلى أي حد يمكن اعتبارها وسيطًا مستقلًا؟ وهل تستخدم المفاوضات لإنهاء الحرب فعلًا، أم لتوفير مساحة لإسرائيل من أجل تثبيت مكاسبها العسكرية والسياسية قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية مع الحديث عن المساعدات العسكرية واللوجستية الأمريكية لإسرائيل، وعن المعدات الثقيلة التي تستخدم في العمليات العسكرية وأعمال الهندسة الميدانية. كما تبرز في هذا السياق قضية المستوطنات والمناطق العازلة وإعادة تشكيل الجغرافيا على الأرض. فمن الصعب فصل هذه التطورات عن التصريحات التي تتحدث عن التاريخ القديم وحدود إسرائيل، وعن الرؤية التي تربط الدولة الحالية بمملكة إسرائيل القديمة.
وفي نهاية المشهد، تبدو المنطقة أمام معادلة شديدة التعقيد: إسرائيل تتحدث عن الأمن ومنع حماس وحزب الله من إعادة بناء قدراتهما، بينما تستمر عملياتها العسكرية وتزداد الخسائر بين المدنيين. وأمريكا تتحدث عن السلام والتفاوض في الوقت الذي تواصل فيه تقديم الدعم العسكري والسياسي لإسرائيل. أما المستوطنون، فينفذون اعتداءات ضد الفلسطينيين، ثم يجري تقديم جزء من هذه الأفعال باعتباره سلوكًا فرديًا منفصلًا عن سياسة الدولة.
لهذا، فإن السؤال الأهم لم يعد فقط حول ما تقوله الحكومات في المؤتمرات والمفاوضات؛ السؤال الحقيقي هو: ماذا يحدث على الأرض؟ ومن يملك القدرة على تغيير الواقع؟ ومن يدفع ثمن هذا التغيير؟
فالمفاوضات لا يمكن تقييمها من خلال عناوينها وحدها، وإنما من خلال نتائجها وما تتركه من وقائع جديدة على الأرض. وحين تستمر العمليات العسكرية والاستيطان والتهجير وتدمير المنازل بالتزامن مع الحديث عن السلام، فإن الشكوك حول طبيعة المشروع السياسي الذي تقف خلفه هذه التحركات ستظل قائمة.



