اقتصادأهم الاخبار

هل ينجح تجمع البريكس في رسم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط؟

في زمن تتشقق فيه أعمدة النظام الدولي أحادي القطبية، وتتراجع ثقة الشعوب النامية في عدالة المؤسسات المالية الغربية، يبرز تجمع البريكس (BRICS) ليس كجبهة سياسية عابرة.

بل كزلزال جيوسياسي يعيد رسم خرائط النفوذ العالمي. إن هذا التكتل الذي بدأ كفكرة أكاديمية تبحث عن النمو، تحول اليوم إلى قوة ضاربة تقود مسيرة “الجنوب العالمي” نحو كسر هيمنة الدولار، وبناء نظام عالمي متعدد الأقطاب يتسم بالتوازن، الندية، والعدالة الاقتصادية. ومع التوسعات التاريخية الأخيرة، لم يعد البريكس مجرد خيار بديل، بل أصبح حجر الصياغة لقرن جديد تتوزع فيه مراكز القوة وصناعة القرار.

تجمع البريكس (4)

أولاً: النشأة والتحول التاريخي

بدأت الفكرة في عام 2001 عندما صاغ الخبير الاقتصادي “جيم أونيل” في بنك (Goldman Sachs) المصطلح “BRIC” كاختصار للحروف الأولى من أربع دول تتميز بمعدلات نمو اقتصادي متسارعة وهي: البرازيل، وروسيا، والهند، والصين.

2006: تأسس التكتل رسمياً على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة.

2009: عقدت المجموعة أول قمة رسمية لها في مدينة يكاترينبورغ الروسية لمناقشة إصلاح النظام المالي العالمي.

2010: تحول الاختصار إلى “BRICS” بعد انضمام جنوب إفريقيا لتمنح التكتل بعداً إفريقياً حيوياً.

2024: شهد التكتل قفزة تاريخية بدخول أعضاء جدد رسمياً أبرزهم: مصر، والإمارات العربية المتحدة، وإثيوبيا، وإيران، فيما عُرف بمجموعة “+BRICS”.

ثانياً: القوة الاقتصادية والديموغرافية بالأرقام

بعد التوسعات الأخيرة، أصبح تجمع البريكس يمتلك أرقاماً قياسية تجعله نداً حقيقياً لمجموعة السبع الكبار (G7):

السكان: يمثل التكتل أكثر من 45% من سكان العالم، مما يوفر سوقاً استهلاكياً هائلاً وعمالة شابة ضخمة.

الناتج المحلي الإجمالي: يساهم التكتل بنحو 35% إلى 37% من إجمالي الناتج المحلي العالمي (وفقاً لتعادل القوة الشرائية)، متجاوزاً حصة مجموعة السبع.

الطاقة: يسيطر الأعضاء الجدد والقدامى (خاصة بعد انضمام عمالقة النفط) على حوالي 40% من إنتاج النفط الخام العالمي وحصص ضخمة من الغاز الطبيعي والمعادن النادرة.

تجمع البريكس (3)

ثالثاً: الأهداف الاستراتيجية لتجمع البريكس

لا يسعى البريكس ليكون مجرد تحالف تجاري، بل يمتلك أجندة دولية طموحة تشمل:

إنهاء هيمنة الدولار (De-dollarization): تشجيع استخدام العملات المحلية في التبادل التجاري البيني، وتطوير أنظمة دفع بديلة لنظام “سويفت” الغربي (مثل نظام BRICS Pay).

إصلاح المؤسسات المالية الدولية: يرى التكتل أن صندوق النقد والبنك الدوليين يخضعان لسيطرة أمريكية وغربية مجحفة بحق الدول النامية، ويسعى لفرض تمثيل عادل للجنوب العالمي.

التنمية المستقلة عبر “بنك التنمية الجديد”: أسس التجمع بنك التنمية الجديد (NDB) برأس مال يبلغ مليارات الدولارات لتمويل مشاريع البنية التحتية في الدول الأعضاء دون فرض شروط سياسية أو هيكلية قاسية.

تعددية الأقطاب السياسية: خلق توازن جيوسياسي يمنع انفراد قوة واحدة بالقرار الدولي، ودعم الحلول الدبلوماسية للأزمات بعيداً عن العقوبات الاقتصادية أحادية الجانب.

رابعاً: التحديات والمعوقات أم تجمع البريكس

رغم نقاط القوة، يواجه البريكس تحديات داخلية وهيكلية قد تؤثر على سرعة تحقيق أهدافه:

التباينات الاقتصادية والسياسية: يضم التكتل ديمقراطيات راسخة (مثل الهند والبرازيل) إلى جانب أنظمة شمولية، واقتصادات قائمة على التصنيع والتكنولوجيا (الصين) مقابل اقتصادات ريعية قائمة على النفط والموارد [BRICS].

الخلافات البينية: النزاع الحدودي والتنافس الجيوسياسي المستمر بين الصين والهند يمثل عقبة رئيسية أمام اتخاذ مواقف موحدة بالكامل.

صعوبة إيجاد عملة موحدة: يرى الخبراء أن إصدار عملة موحدة للبريكس أمر معقد للغاية في المدى القريب بسبب التفاوت الكبير في السياسات النقدية ومستويات التضخم بين الدول الأعضاء.

خامساً: الدور المصري والمكاسب الميدانية للتجمع من تجمع البريكس (مصر نموذجاً)

لم تكن جمهورية مصر العربية عضواً هامشياً منذ انضمامها الرسمي مطلع عام 2024، بل حققت مكاسب ملموسة وسريعة على المستويين الاقتصادي والسياسي، وفرضت ثقلها الجغرافي داخل التكتل من خلال مؤشرات بارزة:

نمو متسارع في التبادل التجاري: قفز حجم التبادل التجاري بين مصر ودول البريكس من 45 مليار دولار عام 2024 إلى 53.5 مليار دولار عام 2025. وبحلول النصف الأول من عام 2026، سجل التبادل التجاري نحو 36.7 مليار دولار مقارنة بنحو 29.3 مليار دولار لنفس الفترة من العام السابق، بنسبة ارتفاع بلغت 25.5%.

تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة: ارتفعت قيمة استثمارات دول المجموعة داخل السوق المصرية لتسجل في النصف الأول من العام المالي 2025/2026 نحو 3.7 مليار دولار (بنمو تقريبي 29.7%)، وتركزت في قطاعات الطاقة، والبنية التحتية، والتصنيع، والخدمات اللوجستية.

تخفيف حدة الطلب على الدولار: بدأت مصر فعلياً في تفعيل اتفاقيات ثنائية لتسوية المعاملات التجارية واستخدام العملات المحلية في التبادل البيني مع قوى كبرى مثل روسيا والصين والهند، مما أتاح تأمين السلع الاستراتيجية بمرونة أكبر.

بوابة لوجستية وشراكات مؤسسية: وظفت مصر ميزتها التنافسية الكبرى وهي “قناة السويس” لتقديم نفسها كمركز إقليمي يربط اقتصادات البريكس بأسواق إفريقيا والشرق الأوسط. كما تكلل هذا الدور بتأسيس غرفة تجارة مشتركة بين مصر والهند في سبتمبر 2026، مع إعلان القاهرة تطلعها لتولي رئاسة التجمع مستقبلاً.

سادساً: الأهمية الاستراتيجية الأوسع للدول العربية من تجمع البريكس

إلى جانب التجربة المصرية، يمثل انضمام قوى اقتصادية مثل دولة الإمارات العربية المتحدة نقلة نوعية للطرفين؛ إذ يسهم الوجود العربي في ضخ رؤوس أموال ضخمة في “بنك التنمية الجديد”، ويعزز القدرة التفاوضية للشرق الأوسط في قطاع الطاقة العالمي، مما يمنح المنطقة العربية مقعداً دائماً على طاولة صياغة القرار الاقتصادي الجديد.

سابعاً: خاتمة واستشراف للمستقبل

في المحصلة النهائية، لم يعد تجمع البريكس مجرد منتدى للحوار الإقليمي أو منصة لإصدار البيانات التضامنية، بل تحول إلى فاعل رئيسي يفرض رؤيته على موازين القوى ويقود حراكاً تاريخياً لإعادة صياغة العولمة. إن القدرة المتنامية لهذا التكتل على ابتكار بدائل مالية واقتصادية متكاملة وثقت حقيقة واضحة: قواعد اللعبة العالمية قد تغيرت جذرياً ولن تعود إلى الوراء، والجنوب العالمي لم يعد تابعاً يبحث عن مقعد في قطار النظام القديم، بل أضحى يمتلك القطار والمحطة معاً.

إن المستقبل القريب سيضع البريكس أمام اختبار التلاحم الداخلي وتحويل التنوع الثقافي والسياسي لأعضائه إلى مصدر قوة لا انقسام. ومع تزايد طلبات الانضمام من دول جديدة، يثبت البريكس أن جاذبية الندية والتعاون التنموي أصبحت أقوى من إملاءات الهيمنة الأحادية، ممهداً الطريق لولادة عالم متعدد الأقطاب يتسع للجميع وتتحقق فيه العدالة الاقتصادية المفقودة منذ عقود.

بقلم : سارة الحربي – مدير وحدة أبحاث المنصة 360

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى