من مضيق هرمز إلى الممرات البرية.. صراع الشرق والغرب يشعل القوقاز

بقلم : الكاتب العراقي محمد الماس:- بعد أزمة مضيق هرمز صاعدت في الآونة الأخيرة التحذيرات الروسية تجاه أرمينيا مع اقتراب الاستحقاقات السياسية المهمة داخل البلاد، وسط مخاوف متزايدة لدى موسكو من احتمال انتقال يريفان نحو المعسكر الغربي بصورة أكبر مما هي عليه اليوم.
وقد نقلت تقارير وتصريحات سياسية تحذيرات مباشرة مفادها أن أي تحول استراتيجي في توجهات أرمينيا قد يفتح الباب أمام سيناريو مشابه لما شهدته أوكرانيا خلال السنوات الماضية، وهو ما يعكس حجم الحساسية الجيوسياسية التي تمثلها أرمينيا بالنسبة لروسيا، بحكم موقعها الجغرافي الذي يربط بين فضاءات النفوذ الروسية والإيرانية في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم أهمية وتعقيدًا.
وتنظر موسكو إلى الانتخابات البرلمانية الأرمينية باعتبارها محطة مفصلية يمكن أن تحدد مستقبل الاصطفافات السياسية في جنوب القوقاز، إذ ترى أن صعود قوى أكثر قربًا من الولايات المتحدة وأوروبا قد يؤدي إلى إضعاف النفوذ الروسي في منطقة طالما اعتُبرت جزءًا من المجال الاستراتيجي التقليدي لروسيا.
ولم تقتصر الرسائل التحذيرية على الجانب الروسي فقط، وإنما جاءت أيضًا من بيلاروسيا، الحليف الأقرب لموسكو، التي اعتبرت أن انخراط أرمينيا في مشاريع وتوجهات غربية من شأنه أن يساهم في تقليص هامش الحركة الروسي، ويمنح خصوم موسكو فرصة جديدة للتقدم في واحدة من أكثر الساحات حساسية بالنسبة لها.
وتتجاوز أهمية أرمينيا الحسابات السياسية التقليدية لتصل إلى ملفات اقتصادية وتجارية كبرى ترتبط بمستقبل طرق النقل العالمية. فمع تصاعد التوترات الدولية حول الممرات البحرية الاستراتيجية، وازدياد المخاوف من إمكانية تعطيلها أو فرض قيود على حركتها، بدأت العديد من القوى الدولية في البحث عن بدائل برية تضمن استمرار تدفق التجارة بعيدًا عن المخاطر البحرية المحتملة.

وتبرز هنا مشاريع الربط البري التي تعمل عليها روسيا وإيران والصين، باعتبارها جزءًا من رؤية طويلة الأمد تهدف إلى تقليل الاعتماد على المضائق البحرية الحساسة.
ومن بين هذه المشاريع يبرز مشروع شبكة النقل والسكك الحديدية التي تربط روسيا بإيران عبر الأراضي الأرمينية، والذي وصل، بحسب العديد من التقديرات، إلى مراحل متقدمة من الإنجاز. ويمثل هذا المشروع جزءًا مهمًا من الممر الدولي للنقل بين الشمال والجنوب، وهو مشروع استراتيجي يهدف إلى تسهيل حركة البضائع والتجارة بين روسيا وإيران وأسواق أخرى في آسيا والشرق الأوسط من خلال مسارات برية تقلل الاعتماد على الطرق البحرية التقليدية.
وفي الوقت ذاته، تعمل الصين على تعزيز ممرات بديلة تربطها بالأسواق العالمية من خلال مشاريع ضخمة، مثل الممر الاقتصادي الصيني ـ الباكستاني، الذي يعد أحد أبرز أركان مبادرة الحزام والطريق، حيث يمنح بكين منفذًا مباشرًا نحو المحيط الهندي، ويخفف من اعتمادها على بعض الممرات البحرية التي تعتبرها عرضة للمخاطر في حال تصاعد التنافس الدولي.
وتدرك الصين أن أمن سلاسل التوريد والتجارة الدولية بات مرتبطًا بوجود خيارات متعددة للنقل، سواء كانت بحرية أو برية، لذلك تستثمر بكثافة في بناء شبكات نقل عابرة للحدود تربطها بحلفائها وشركائها الاقتصاديين.
إن هذا التنافس على أرمينيا لا يرتبط فقط بموقعها السياسي، وإنما بدورها المحتمل في شبكة الممرات التجارية المستقبلية التي تسعى القوى الكبرى إلى ترسيخها. فأي تغيير في توجهات يريفان قد ينعكس على مسارات النقل والتجارة التي تراهن عليها روسيا وإيران في مواجهة الضغوط والعقوبات الغربية، كما قد يؤثر على التوازنات الإقليمية المرتبطة بمشاريع الربط بين آسيا وأوروبا.
وفي موازاة ذلك، تتجه دول الخليج أيضًا نحو تطوير بدائل استراتيجية تقلل من الاعتماد على الممرات البحرية الحساسة، عبر الاستثمار في شبكات الأنابيب والممرات البرية التي تضمن استمرار تدفق الطاقة والتجارة حتى في حالات التوتر الإقليمي.
وتندرج ضمن هذه الجهود مشاريع ربط نفطية ولوجستية متعددة، إلى جانب تطوير موانئ وخطوط نقل بديلة خارج نقاط الاختناق البحرية التقليدية. كما تعزز الإمارات من موقع ميناء الفجيرة باعتباره منفذًا استراتيجيًا خارج نطاق مضيق هرمز، بما يعكس إدراكًا متزايدًا لدى مختلف القوى الإقليمية والدولية بأن المنافسة المقبلة لن تقتصر على السيطرة على البحار فقط، وإنما ستشمل كذلك سباقًا واسعًا لبناء ممرات برية قادرة على حماية المصالح الاقتصادية وضمان استمرارية حركة التجارة في عالم يشهد تحولات جيوسياسية متسارعة ومعقدة.



