عندما تقرع طبول الحرب.. أوروبا تحتاج إلى جنود لا إلى مهاجرين
يتردد في أوساط كثيرة أن أوروبا بحاجة إلى العرب والمسلمين، وأن وجودهم ضرورة لا غنى عنها. والحجة معروفة؛ فأوروبا تحتاج إلى الأيدي العاملة لدعم اقتصادها، وتعاني من ارتفاع نسبة كبار السن، كما أن قدوم المهاجرين يعيد التوازن إلى تركيبتها السكانية.
هذا المنطق سليم في ظاهره، لكنه لا يصح إلا في ظروف بعينها؛ يصح حين لا يكون هناك خطر يهدد القارة، وحين يسود السلام، وحين يكون الهم الأول هو إعمار الاقتصاد وتشغيل المصانع.
غير أن الصورة تتبدل جذريًا حين تقترب الحرب؛ فالقارة في زمن الحرب لا تبحث عن أيدٍ عاملة، وإنما عن جنود. وعندما تحتاج أوروبا إلى جنود يقاتلون، تتغير حساباتها كلها، وتصبح الاعتبارات الاقتصادية ثانوية أمام معيار واحد: من سيقف معها في الميدان؟ وبين منطق الاقتصاد ومنطق الأمن مسافة تتسع كلما اقتربت المخاطر؛ فالأول يقيس القيمة بالإنتاج، والثاني يقيسها بالاستعداد للتضحية.
وهنا يبرز مكمن الخلل في تلك المغالطة المنتشرة؛ فأوروبا تعتبر أن أغلبية المسلمين، وخاصة العرب، لن يكونوا في صفها حين تشتعل الحرب، وأن ارتباطهم بها ضعيف. وهي تعلم أن نسبة كبيرة منهم تدعم الشرق، مثل روسيا والصين، وتعلم أيضًا أن نسبة كبيرة من المهاجرين وصلت عبر البحر هربًا من الحروب في بلدانها.
ومن هذه النقطة تتشكل معادلة الثقة؛ فمن فر من الحرب في بلاده، لا تتوقع أوروبا أن يبقى على أرضها ليحارب دفاعًا عنها، وهو الذي ترك بلاده للدمار ولم يدافع عنها، فكيف يدافع عن قارة أخرى؟ وفوق ذلك كله، تدرك أوروبا أن ميله إلى حلف الشرق أكبر من ميله إليها. وبهذا تنهار فرضية الحاجة إلى المهاجرين حين ينتقل الحديث من السوق إلى الميدان.
وهذا ما يجعل الخطاب الذي يتحدث عن حاجة أوروبا إلى المهاجرين يتجاهل جوهر القضية؛ فالمسألة ليست: كم عاملًا تحتاج إليه القارة؟ وإنما: كم مقاتلًا تثق به؟ وما دامت الثقة ناقصة في نظرها، فإن رصيد الحاجة الاقتصادية لا يشفع لأحد.
والمهم أن هذا تقدير أوروبي للواقع، يقوم على حسابات القلق والشك، وليس بالضرورة حكمًا أخلاقيًا. فالدول في لحظات الخطر لا تبني قراراتها على الصور الجميلة، وإنما على ما تراه من احتمالات الثقة والريبة. فما تخشاه أوروبا هو أن يتحول من استقدمته لخدمة اقتصادها إلى ثغرة في صفها الداخلي لحظة الاختبار.
ومن هذا المنظور يصبح عنوان «تنظيف الداخل» مفهومًا؛ فالقارة التي تتهيأ لمواجهة الحتمية تريد أن تطمئن إلى بيتها قبل أن تنظر إلى حدودها. وهذا ما يغيب عن أصحاب الحجة القديمة التي تقول إن أوروبا لا تستطيع الاستغناء عنا؛ فالحاجة إلى الأيدي العاملة تصلح لزمن السلم، أما زمن الحرب فيحكمه معيار الصف والثقة، ولا يعترف بغيره. ومن يكتفي بمتابعة المشهد من زاوية الاقتصاد وحدها، يضيع عليه فهم أوروبا.
بقلم : الكاتب العراقي محمد عبد الرزاق
—————————————————————————————————————————————–
الآراء والأفكار الواردة في مقالات الرأي المنشورة على موقع المنصة 360 تعبّر عن وجهة نظر كُتّابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي المنصة أو توجهاتها التحريرية.



