أطفال على خطوط الخطر.. أين الأمن والسلامة وأين الرقابة؟

بقلم : إيهاب نجاح جندية : في الوقت الذي تتحدث فيه القوانين عن حقوق الطفل، وتؤكد التشريعات على ضرورة توفير بيئة عمل آمنة للعاملين، ما زالت هناك قصص مؤلمة تتكرر كل يوم في بعض الورش والمصانع الصغيرة والمخازن المنتشرة في العديد من المناطق، حيث يتحول الطفل من طالب يحمل حقيبته المدرسية إلى عامل يحمل فوق كتفيه أعباءً أكبر من عمره بكثير.
إن الفقر وغلاء المعيشة يدفعان بعض الأسر إلى اتخاذ قرارات صعبة، فيضطر الأب أو الأم إلى إرسال الابن للعمل في سن مبكرة من أجل المساهمة في مصروفات المنزل. يخرج الطفل من بيته في الثامنة صباحًا، وربما قبل ذلك، ولا يعود إلا مع حلول الليل، بعد يوم طويل من التعب والإجهاد والعمل الشاق.
والمؤلم أن بعض هؤلاء الأطفال لا يحصلون في نهاية يومهم إلا على أجر بسيط لا يتناسب مع ساعات العمل الطويلة أو حجم المخاطر التي يتعرضون لها. فهناك من يعمل مقابل عشرات الجنيهات يوميًا، رغم ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة التي أصبحت تثقل كاهل الجميع.

وفي محافظة القليوبية، كما هو الحال في العديد من المحافظات الأخرى، تتردد بين الأهالي أحاديث وشكاوى حول أوضاع بعض الورش والمخازن والمصانع الصغيرة، خاصة في المناطق الصناعية والقرى التي تنتشر بها الأنشطة الحرفية. وتُطرح تساؤلات عديدة حول مدى الالتزام باشتراطات الأمن والسلامة المهنية، ومدى توافر وسائل الحماية للعاملين، وخاصة الأطفال وحديثي السن.
فكم من طفل يعمل بجوار آلات ومعدات ثقيلة دون تدريب كافٍ؟ وكم من عامل صغير السن يقف لساعات طويلة في أماكن قد تفتقر إلى أبسط وسائل الوقاية؟ وكم من أسرة تخشى كل يوم أن يعود ابنها مصابًا أو ألا يعود على الإطلاق؟
السؤال الأهم الذي يفرض نفسه: ماذا لو وقعت إصابة؟ ماذا لو فقد طفل إصبعًا أو تعرض لحادث أثناء العمل؟ من يتحمل المسؤولية؟ ومن يعوض الأسرة عن الخسارة؟ وهل توجد ضمانات حقيقية تحفظ حقوق هؤلاء العاملين؟
إن الأمن والسلامة المهنية ليست رفاهية، وليست مجرد لافتة معلقة على الحائط أو تعليمات مكتوبة لا يقرأها أحد. الأمن والسلامة تعني حياة إنسان. تعني أن يعود العامل إلى منزله سليمًا في نهاية يومه. وتعني أن يشعر الأب والأم بالاطمئنان على أبنائهم وهم خارج المنزل.
كما أن الرقابة ليست مجرد حملات موسمية أو إجراءات ورقية، بل هي مسؤولية مستمرة لحماية الأرواح قبل حماية المنشآت. فكل منشأة تعمل خارج إطار القانون أو تتجاهل اشتراطات السلامة تمثل خطرًا على العاملين فيها وعلى المجتمع كله.
إن الحديث هنا ليس عن مكان بعينه أو منشأة بعينها، بل عن ظاهرة تستحق التوقف أمامها بجدية. فهناك فرق كبير بين توفير فرصة عمل شريفة تحفظ كرامة الإنسان، وبين استغلال الحاجة والفقر وتحويل العامل أو الطفل إلى مجرد وسيلة لتحقيق الربح.
ومن المؤسف أن بعض الأطفال الذين كان من المفترض أن يكونوا داخل الفصول الدراسية، يتعلمون ويخططون لمستقبلهم، أصبحوا يقضون سنوات عمرهم بين ضجيج الماكينات وأكوام البضائع والمعدات الثقيلة، بينما تتراجع أحلامهم يومًا بعد يوم تحت ضغط الحاجة.
إن حماية الأطفال والعاملين ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية مجتمع كامل. الأسرة، والمدرسة، وأصحاب الأعمال، والجهات الرقابية، والمؤسسات المعنية بحقوق الإنسان، جميعهم شركاء في حماية جيل كامل من الضياع أو الاستغلال.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة:
كم طفلًا يجب أن يتعرض للخطر حتى نتحرك؟
وكم حادثًا يجب أن يقع حتى ندرك أن الأمن والسلامة حق وليس رفاهية؟
وكم أسرة يجب أن تبكي ابنها أو مستقبل ابنها حتى تصبح الرقابة أكثر حضورًا وفاعلية؟
إن الإنسان أغلى من أي ربح، والطفولة أغلى من أي مكسب مادي، والوطن الذي يحمي أبناءه هو الوطن القادر على بناء مستقبل أكثر عدلًا وأمانًا للجميع.



